المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

كيف يسرقون الغيوم؟ ويعانون الجفاف!

قراءة أنثروبولوجية لتفسير الخطر البيئي

كتب هذا المقال وسام إبراهيم عنبر، ونُشر في الأصل على منصة سابستاك بتاريخ 1 أيار/مايو 2026. يمكن قراءة النسخة الأصلية هنا.

عام 2025 ناقشتُ دراستي التي نلتُ عنها شهادة الماجستير، وعنوانها كان: “المعرفة المحلية بالخطر البيئي”، وهي دراسة أنثروبولوجية في مدينة بغداد عن: كيف يفهم ويعرف العراقيون البغداديون الخطر؟ وكيفَ يتعاملون معه؟ سمعت عندها تفسيرات جامحة، وخيالاً خصباً، وروايات وتفسيرات علمية طبعاً. أعلمُ أنّ ذلك صعبُ التصديقِ، لكنّي توقعتُ أن تجمح التفسيرات أكثر لتصل لمستوى “سرقة الغيوم”. لم أتوقع الصيغة بالتأكيد، لكني توقعت تصوراتٍ غريبةً كهذه.

يشهد المجتمع العراقي في مرحلة الحداثة المتأخرة وما بعد الصراعات تحولات جذرية في بنيته الإدراكية والمعرفية، لا سيما في طريقة تعاطيه مع الظواهر البيئية والمناخية. وقد تجلت هذه التحولات بوضوح إثر التصريحات المثيرة للجدل التي أدلى بها عضو مجلس النواب العراقي عن كتلة بدر، عبد الله حامد الخيكاني، إذ قال: إن الولايات المتحدة الأمريكية تستخدم طائرات خاصة لـ “سرقة الغيوم” من الأجواء التركية والإيرانية لمنع وصول الأمطار إلى العراق. وذهب التصريح إلى أبعد من ذلك عبر تقديم تبرير سياسي وعسكري لظاهرة هطول الأمطار الغزيرة مؤخراً، معتبراً إياها نتيجة لـ “انشغال الأمريكيين بالحرب” والتوترات مع إيران، مما أتاح للسحب بالمرور دون اعتراض أو تفتيت. تزامنت هذه التصريحات الرسمية لمشرّع عراقي مع انتشار واسع لشائعات وسرديات شعبية موازية عبر منصات التواصل الاجتماعي، تزعم أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية قامت بقصف “مركز إسرائيلي سري في الإمارات العربية المتحدة يُعنى بالسيطرة على المناخ”، وأن هذا القصف أدى إلى شلل المنظومة الإسرائيلية-الأمريكية للتحكم بالطقس، وهو ما يفسر -وفقاً للشائعة- الزيادة الكبيرة والمفاجئة في معدلات هطول الأمطار في كل من العراق وإيران وتركيا.

لكن المفارقة الأنثروبولوجية التي تضعنا أمام مأزق معرفي حقيقي، لا تتمثل في إطلاق التصريحات أو نفيها، بل في “الاستقبال المجتمعي” لها. فمن خلال متابعتي الميدانية والتحليلية تبين لي أن شريحة واسعة من العراقيين، تتركز بشكل مقلق بين صفوف “المتعلمين” وخريجي الجامعات والنخب المهنية، قد تبنت وصدقت تصريحات النائب والسردية التآمرية المحيطة بها، متجاهلة تماماً التفنيد العلمي والمنطقي الصادر عن هيئة الأنواء الجوية. لفهم ذلك، علينا أن نزيح جانباً ثنائيةَ (الصح/الخطأ) وأن ننظر للموضوع من منظار إدراك المخاطر وبنية بناء التفسير له.

كيف وصلنا إلى هنا؟

عاشَ العراقيُ لعقودٍ تجاربَ مزلزلة، تصدعات وانقلابات، حروبٌ داخلية وحروبٌ خارجية، قمع ودكتاتورية وحصارٌ خانق، غزوٌ وحربان أخريتان؛ كلُّ التفسيرات المحلية لما نحنُ فيهِ منذ أن غزا صدامُ الكويت، وما بعدها: الفاعلُ الخارجيُ الذي يغلبنا على أمرنا. ترسخت هذهِ النظرةُ بعد الحصار الشامل، لا شيء يخرج، ولا شيء يدخلُ وكأنّ جداراً من نارٍ بُنيَ حولنا. أيُمكنُ أن يعتقدَ أحدٌ أنّ التجاربَ هذهِ وما تلاها من غزوٍ ومؤامراتٍ -حقيقيةٍ- لتدمير العراق ستُنسى بسهولة؟ قطعاً لا. هذهِ “المعرفة” تتراكم عبرَ السنين لتصبح ضمن نسيج “الحكمة الشعبية”.

مع هذا، هذهِ التفسيرات “التآمرية” تنطلقُ من مكامنَ أخرى أكثرَ خطورة أيضاً، وهي انعدام الثقةِ، أو القطيعةُ مع المؤسسات “المنتجة للتفسيرات العلمية الرسمية”، بمعنى آخر: مؤسسات الدولة. بعد عقودٍ طويلةٍ من انعدام الثقة، والتعامل مع السلطةِ كخطرٍ يجب تجنبه، أو كحليفٍ لمصادر الخطر الخارجي، أو على الأقل كقوة محايدة لا تتعامل مع الخطرِ الخارجي سواء كان بيئياً أم بشرياً، لن يتعاطى المجتمع مع هذه السلطةِ بثقة. على العكس، سيتعاملُ مع غالبية تفسيراتها بريبة، وقد تدفعه للذهاب بالاتجاه المعاكس وتصديق الجانب الآخر، مهما كان التفسير البديل غريباً وغير منطقي. تجدر بي الإشارةُ إلى أن مصادرَ هذهِ الشائعات المرتبطة بقدراتٍ شبه إلهية في التحكم بالطقس ليس مصدرها الأساسي في العراق، بل وليست حتى من منطقتنا كلها، إنها من الولايات المتحدةِ نفسها. نظريات التحكم بالمناخ عبر مشروع HAARP أو الكيمتريل، وغيرها تجولُ في الولايات المتحدة منذ سنوات.

يطرح أولريش بيك في نظريته “مجتمع المخاطر العالمي”، تفسيراً مهماً يستحق التوقف، يقولُ: إننا نعيش في “مجتمع مخاطر عالمي”. الحداثة المتأخرة، بتكنولوجياتها المعقدة ومخاطرها غير المرئية (كالتغير المناخي والإشعاعات)، خلقت حالة من “عدم اليقين” أدت إلى زعزعة الثقة بـ “معرفة الخبراء” والمؤسسات العلمية في جميع أنحاء العالم. المواطن الأمريكي الذي يكذب وكالة الفضاء (ناسا) بشأن المناخ، يمر بنفس الأزمة الإبستمولوجية التي يمر بها المواطن العراقي الذي يكذب هيئة الأنواء الجوية؛ كلاهما يشعر أن هناك احتكاراً للمعرفة من قبل سلطة عليا لا يثق بها، وهذا منتجٌ للزمن الذي نعيشه.

الخوف من الآخر، الخوف من الذات

صحيحٌ أنّ المؤامرة نفسها متشابهة، وهذا لا يخبرنا سوى أننا متشابهون كبشرٍ ربما، لكن ما أراهُ أنا وما درسته لأكثر من سنتين هو مصدرُ الخوفِ نفسه. إن كان الخطرُ البيئي واحداً، والشعورُ باللايقينِ واحداً، ما المختلف بين تفسير العراقي والأمريكي؟ بوضوحٍ: مصدرُ الخطرِ مختلف في التفسيرين. إذ يرى العراقيُ دائماً أن الخطرَ خارجي (الإمبريالية، الولايات المتحدة، إسرائيل، دول الجوار)، والأمريكيُ في معظم الأحيانِ يرى الخطرَ محلياً (الدولة العميقة، النظام العالمي الجديد، النخب الرأسمالية التي تريد السيطرة على المواطنين). صحيحٌ أنّ النتيجةَ واحدة وهي الإحساس بوجودِ مؤامرة، لكنّ أسباب كلّ منهما مختلفة. الأمريكيُ يعيشُ تجارب يومية واضحة وملموسة لا تقبل النقاش تنبئهُ بأن حكومتهُ الأقوى في العالم، لكنها تُعلي مصلحة النخب السياسية والأثرياء على مصلحته. العراقيُ في الجهة الأخرى من العالمِ يرى أن مؤسساتهُ ضعيفةٌ ومُسيطَرٌ عليها من قوى خارجية، بالتالي لا بدّ أن تكون نفس القوى المسؤولة عن كلّ مآسيه مسؤولة عن هذه أيضاً. أمّا السؤال الإجباري الذي يجب أن أجيب عليهِ هو: لماذا لا يكون العراقيُ والأمريكيُ متفقين على التفسير، وعلى المسببِ لأن هذه هي الحقيقة؟ والجوابُ هو أنّ اتفاق الطرفين على لوم جهة واحدة يعود إلى كون الولايات المتحدة تمثل “القوة الفائقة” في المخيال العالمي. ففي سوسيولوجيا المخاطر، عندما يواجه العقل البشري ظاهرة ضخمة ومعقدة ولا يمكن السيطرة عليها (كالتغير المناخي)، فإنه يبحث عن فاعل يمتلك قدرات موازية لضخامة الحدث. الولايات المتحدة (باعتبارها القوة التكنولوجية والعسكرية والسياسية الأكبر في العالم) تصبح هي المرشح الوحيد الجاهز في العقل الجمعي لتحمل مسؤولية أفعال تبدو وكأنها من عمل الآلهة. الاتفاق هنا ليس على “الحقيقة”، بل على “رمزية القوة الفائقة” التي يمكن إسقاط اللوم عليها.

سرقة الغيومِ أو لا شيء

السؤالُ الذي شغلني أكثرَ من غيرهِ في الحقيقةِ هو: لماذا هذا التفسيرُ الغريبُ للجفافِ دونَ غيرهِ؟ اعتدنا جميعاً، في كلّ مكانٍ في الأرضِ على تفسيراتٍ غيبيةٍ للخطرِ البيئي. منذُ الأشكال الأولى للدينِ رأى أجدادنا أن الطوفان والجدبَ والزلازل والبراكين من عملِ آلهةٍ حكيمةٍ لأنها غضبى ويجب استرضاؤها، أو أنهُ من فعلِ آلهةٍ شريرةٍ ويجب اتقاءُ شرّها. في الأديانِ التي نألفها لمْ يتغير الأمرُ كثيراً في التفسيرات الشعبية. ما زال الناسُ يرونَ الخطر البيئي غضباً إلهياً نتيجة فعلنا نحن. ما المختلف الآن؟ لماذا لا يقول العراقي مثلاً: “السبب هو سوء إدارة الموارد المائية” أو “هذا غضب إلهي بسبب الفساد” وهي تفسيرات غير علمية لكنها معقولة أو مألوفة ثقافياً، لماذا القفزة نحو “أسلحة ليزرية وسرقة غيوم”؟ توصلتُ لعدّة إجاباتٍ للسؤالِ لا إجابةً واحدة. ثلاث إجاباتٍ للدقة، وهي:

  1. العقل البشري يرفض تفسير الكوارث العظيمة بأسباب تافهة أو يومية. جفاف أنهارٍ تاريخية كدجلة والفرات، أو فيضانات مدمرة غير مسبوقة، هي أحداث “أبوكاليبسية”. التفسير المعقول (مثل: تراكم انبعاثات الكربون عبر عقود، أو فشل البنية التحتية المحلية) يبدو تفسيراً “بارداً ومملاً” بل “عبثياً” ولا يتناسب عاطفياً مع حجم الرعب الذي يعيشه الفرد. الكارثة الأسطورية تحتاج إلى فاعلٍ أسطوريٍ بوزنِ إلهٍ أو قوة موازية لكي يستوعبها العقل. أسلحة المناخ والمراكز السرية توفر هذا التناسب النفسي. وهذا ما يسمى التناسب الإدراكي (Cognitive Proportionality).
  2. الإجابةُ الثانيةُ، ببساطةٍ، هي الهربُ من المسؤولية. إذا تبنى الفاعل الاجتماعي تفسيراً معقولاً مثل: التغير المناخي بسبب الاستهلاك البشري، أو فشل الحكومات المحلية التي انتخبها هو أو رضي بها، فهذا يضعه في دائرة المسؤولية أو يلزمه بالعمل والتغيير. التفسير المؤامراتي الجامح هو آلية دفاعية ممتازة. فهو ينقل المشكلة بالكامل إلى منطقة “القوة القاهرة الخارقة” التي لا يمكن للمواطن البسيط أو حتى لحكومته مواجهتها. المؤامرة الخيالية تعفي المجتمع من الشعور بالتقصير وتضعه في خانة “الضحية المطلقة”.
  3. الإجابة الثالثةُ هي عقلنة الفوضى والشعور الزائف بالسيطرة. في مجتمع المخاطر، فكرة أن التغير المناخي هو فوضى طبيعية عمياء، وأن كوكب الأرض يتغير بطرق قد تخرج عن السيطرة، هي فكرة مرعبة جداً ومولدة لقلق وجودي. العقل البشري يفضل الاعتقاد بأن هناك جهة شريرة سرية تدير هذه الفوضى من غرفة تحكم، على الاعتقاد بأنه لا أحد يجلس خلف عجلة القيادة وأن الكوكب يتجه نحو الكارثة بشكل عشوائي. المؤامرة رغم رعبها تعيد الكون إلى حالة مُدارة ومفهومة، حتى لو كان المدير شريراً.

كلّ هذه الإجاباتِ قد تكون صحيحة، ليسَ شرطاً أن يكون أحدها صحيحاً دون الآخر. لكنّ ما لفتَ انتباهي هو أن جميعها تؤدي لنفسِ النتيجة، أو لتفسيرٍ رابع، وهو أنّ المجتمعات المقهورة، سواءٌ كان الفرد عراقياً أم أمريكياً، على الأقل شريحةً واسعةً منها ترى أن الحكومة العالمية، والقوة الوحيدة في العالم هي الآلهةُ في العصرِ الحديث. لماذا قد يرى أحدٌ أن لحكومة الولايات المتحدةِ وإسرائيل القدرة على التحكمِ بالطقس؟ ألم تكن هذه من اختصاصات الآلهةِ يوماً؟ إن الحاجة السيكولوجية للمجتمعات المقهورة لوجود “قوة مطلقة” تتحكم في هذا الكون المادي لم تختفِ، بل تم إسقاطها على “القوة العظمى” (الولايات المتحدة/إسرائيل). الفاعل الاجتماعي المقهور ألبس هذه الدول صفات كانت تُنسب للآلهة: القدرة المطلقة على تدمير دول، وتغيير أنظمة، والآن تغيير المناخ. المعرفة المطلقة والرقابة الشاملة، الأقمار الصناعية، والتجسس المتقدم الذي يرى كل شيء.

يقول كاتب الخيال العلمي آرثر سي كلارك: “أي تكنولوجيا متقدمة بما فيه الكفاية، لا يمكن تمييزها عن السحر”. بالنسبة للمجتمعات التي تعاني من فجوة تكنولوجية وحضارية هائلة، أو حتى للطبقات المهمشة داخل الدول الغربية نفسها، تبدو قدرات المجمع العسكري-الصناعي الأمريكي وكأنها قدرات سحرية أو إلهية. إذا كانت هذه القوة قادرة على توجيه طائرة بدون طيار لضرب هدف متحرك من الفضاء بدقة سنتيمترات، فما الذي يمنعها في المخيال الشعبي من “تجميع السحب” أو “توجيه الأعاصير”؟ التكنولوجيا الفائقة هنا تتحول في العقل الجمعي إلى “ميتافيزيقا” جديدة. إضافةً إلى أنّه بالنسبة للشعوب المقهورة، رؤية القوة المهيمنة كـ “إله حديث” هي حاجة نفسية ملحة لتبرير الهزيمة المتكررة والعجز المطلق. إذا كانت الولايات المتحدة مجرد دولة تمتلك تفوقاً اقتصادياً وعسكرياً، فهذا يعني أن هزيمتها أو مقاومتها أو حتى اللحاق بها أمر ممكن نظرياً، والفشل في ذلك هو فشل محلي وإخفاق ذاتي. أما إذا كانت هذه القوة بمثابة “إله” يتحكم بالغيوم والزلازل والمطر، فإن العجز أمامها يصبح قدراً حتمياً لا يُلام عليه المقهور. “تأليه” المستعمر أو المهيمن هو أعلى درجات الاستسلام النفسي، لأنه ينقل الصراع من صراع بشري-بشري (ممكن)، إلى صراع بشري-إلهي (مستحيل).

عليّ أن أعترف أنه، ورغم تخصصي في الموضوع، فإن انشغالي به طوال هذه الفترة جاء نتيجةً لحيرتي واندهاشي من قدرةِ الإنسان على معاندةِ الواضحاتِ. سألتُ نفسي مراراً: كيفَ يصدقُ متعلمٌ بأن أمريكا، التي يعاني غربها الأوسطُ والأقصى من جفافٍ يسبب حرائق كارثية، تمتلكُ قدرةً على نقلِ الغيوم؟ وكانت هذهِ محاولتي لإجابة نفسي قبل أيّ أحدٍ آخر، تجنبتُ فيها تعقيداتٍ ونظرياتٍ قد لا تفيدُ أحداً.

وسام ابراهيم عنبر

باحث أنثروبولوجي

w.i.anber@proton.me