المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

تقرير مؤتمر العدالة المناخية

بغداد | 4–6 كانون الأول/ديسمبر 2025


أولاً: الخلفية والسياق

شهد العراق ومنطقة بلاد ما بين النهرين خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا حادًا في التحديات المرتبطة بتغير المناخ، بما في ذلك الجفاف والتصحر ونقص المياه والتلوث وتدهور النظم البيئية. ويُعدّ العراق اليوم من أكثر البلدان تضررًا من آثار تغير المناخ على مستوى العالم. ولا تقتصر هذه الآثار على البيئة فحسب، بل تمتد لتشمل سبل العيش، والصحة العامة، والأمن الغذائي، والتراث الثقافي، والاستقرار الاجتماعي.

استجابةً لهذه التحديات الملحّة، نُظّم مؤتمر العدالة المناخية في بغداد خلال الفترة من 4 إلى 6 كانون الأول/ديسمبر 2025، بمبادرة من مبادرة التضامن مع المجتمع المدني العراقي (ICSSI) وبالشراكة مع جمعية حماة دجلة، وبدعم من حملة إنقاذ نهر دجلة و ومنظمة جسر إلى ومنظمة المسلة لتنمية الموارد البشرية. وسعى المؤتمر إلى فتح حوار متنوع حول تغير المناخ في العراق، من منظور يربط بين البيئة وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمساءلة.

انطلق المؤتمر من افتراض أساسي مفاده أن الظلم المناخي في العراق يرتبط ارتباطًا وثيقًا بفشل الحوكمة، واختلال موازين القوة، والسياسات المائية الإقليمية العابرة للحدود، والنماذج الاقتصادية الاستخراجية. وعليه، فإن معالجة أزمة المناخ تتطلب استجابات سياسية وقانونية واجتماعية تضع المجتمعات المتضررة في صميم الحلول.


ثانياً: منهجية المؤتمر وأهدافه

وفّر المؤتمر مساحة حوار تتمحور حول الناس، وجمع على مدى ثلاثة أيام منظمات المجتمع المدني، وناشطين وناشطات، وباحثين، وفنانين، ومجموعات شبابية، وممثلين عن المجتمعات المتضررة من مختلف أنحاء العراق، إلى جانب مشاركين إقليميين ودوليين.

كان الهدف الأساسي خلق مساحة آمنة وشاملة للحوار، تتعايش فيها أشكال متنوعة من المعرفة- السياسية والمجتمعية والثقافية والفنية والتجريبية – بما يثري النقاش ويعزز الفهم المشترك. وبدلاً من تقديم رواية واحدة مهيمنة، ركّز المؤتمر على تبادل الخبرات، ومشاركة الحقائق المعيشة، وتحديد التحديات المشتركة، وتطوير رؤى جماعية حول العدالة المناخية في العراق والمنطقة.


ثالثاً: اليوم الأول – المياه، الثقافة، والعدالة المناخية

ركز اليوم الأول على التقاطعات بين تغير المناخ، وإدارة المياه، والتراث الثقافي.

  • جلسة التراث الثقافي وتغير المناخ: تناولت تأثير الجفاف والتصحر وندرة المياه على التراث المادي وغير المادي في بلاد ما بين النهرين، بما في ذلك فقدان الممارسات الزراعية التقليدية، والمحاصيل المحلية، والطقوس، والأغاني، وسبل العيش. وأكد المشاركون أن التراث الثقافي ليس ماضيًا جامدًا، بل بُعد حي وديناميكي مرتبط بالهوية والذاكرة ومرونة المجتمع في مواجهة التغير المناخي.
  • جلسة المياه، السلام، والعدالة المناخية: ناقشت ندرة المياه بوصفها قضية هيكلية وسياسية، مسلطةً الضوء على السياسات المائية المحلية والإقليمية، وإدارة الأنهار العابرة للحدود، وغياب الآليات العادلة والشفافة لتوزيع المياه. وقد تم تأطير المياه كأساس للسلام والاستقرار الاجتماعي، وسوء إدارتها كمحرك للنزاعات والظلم.

كما أتاحت الجلسات الجانبية للمشاركين مقارنة التجارب بين المناطق والقطاعات المختلفة، وتحديد الشواغل المشتركة المتعلقة بالوصول إلى المياه، وتبادل المعلومات، والمشاركة في صنع القرار.

لعبت الأنشطة الفنية والثقافية دورًا محوريًا طوال اليوم، من خلال الجلسات الموسيقية، وزيارات المعارض، وورش العمل، بما في ذلك أنشطة Walking Art التي نُظّمت بالتعاون مع جمعية حماة دجلة وأسهمت هذه الأنشطة في ترسيخ فكرة أن العدالة المناخية لا تُناقش فقط عبر السياسات والبيانات، بل يُعبَّر عنها أيضًا من خلال الفن والثقافة كأدوات للتفكير والتواصل والمقاومة.

واختُتم اليوم بحوارات ركزت على الشباب، تزامنًا مع مرور عشر سنوات على قرار مجلس الأمن الدولي 2250 بشأن الشباب والسلام والأمن، مع التأكيد على دور الشباب العراقي في الاستجابة للتحديات المناخية والبيئية.


رابعاً: اليوم الثاني – الناشطون، المنظورات النسوية، والعوائق الهيكلية

ركز اليوم الثاني على الجهات الفاعلة في مجال العدالة المناخية، والقيود التي تواجه عملها.

  • جلسة التحديات الحالية التي يواجهها نشطاء المناخ: تناولت العقبات السياسية والقانونية والأمنية التي يواجهها المدافعون عن البيئة وحقوق الإنسان في العراق، بما في ذلك محدودية الوصول إلى المعلومات، وضعف إنفاذ القوانين البيئية، ومخاطر التجريم، والحاجة إلى تنسيق أقوى وآليات حماية وتضامن دولي.
  • جلسة المناهج النسوية في العدالة المناخية: ناقشت التأثير غير المتكافئ لتغير المناخ على النساء والفئات المهمشة، وأهمية إدماج المنظورات النسوية التي تعالج قضايا الرعاية، والإنصاف، والقيادة، والمشاركة. وأكد المتحدثون ضرورة تعزيز مشاركة النساء بشكل فعّال في صنع القرار البيئي ووضع السياسات والاستجابات المناخية.

كما تناولت ورش العمل الموازية قضايا مثل سبل العيش المستدامة في مناطق الأهوار، والوعي الأمني للناشطين، والمساءلة البيئية للشركات، لا سيما في ما يتعلق بالأنشطة الاستخراجية. واستُكمل البرنامج بعروض فنية ومسرحية، وأفلام وثائقية، وجلسات موسيقية حيّة، وفّرت مساحات مفتوحة للحوار خارج الإطار الرسمي.


خامساً: اليوم الثالث – الأهوار، إدارة المياه، والمسارات المستقبلية

ركز اليوم الثالث على النظم البيئية، وإدارة المياه، والتوجهات المستقبلية.

  • جلسة أهوار بلاد ما بين النهرين تحت التهديد: تناولت الأزمات البيئية والاجتماعية التي تواجه الأهوار العراقية نتيجة تغير المناخ، والتلوث، والسياسات المائية غير العادلة، والأنشطة الاستخراجية. ودعا المشاركون إلى حماية قانونية أقوى للأهوار، ومساءلة الشركات العاملة في المنطقة، وحماية نشطاء البيئة، وتوزيع عادل للمياه يراعي حقوق المجتمعات المحلية.
  • جلسة إدارة المياه الإقليمية والداخلية: ناقشت التحديات المرتبطة بالمياه العابرة للحدود، وسياسات السدود الإقليمية، وإخفاقات الإدارة الداخلية، مع التأكيد على الحاجة إلى بدائل تشاركية وشفافة قائمة على الحقوق، تشمل المجتمعات المحلية، والمزارعين، والنساء، والشباب.

وأتاحت الجلسات الختامية للمشاركين توحيد الرؤى، وتوضيح التوصيات المشتركة، وتحديد مسارات العمل والخطوات المقبلة.


سادساً: النتائج الرئيسية للمؤتمر

  • تم تأكيد أن العدالة المناخية في العراق جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية.
  • أشار المشاركون إلى أن أزمة المناخ لا يمكن فهمها بمعزل عن السياسات المائية، وإدارة الموارد الطبيعية، والعلاقات غير المتكافئة للقوة، والنماذج الاقتصادية الاستخراجية.
  • برزت ندرة المياه كأحد الأبعاد المركزية للظلم المناخي، حيث نوقشت المياه ليس فقط كمورد طبيعي، بل كأساس لسبل العيش، والصحة العامة، والتراث الثقافي، والاستقرار الاجتماعي.
  • جرى التأكيد المتكرر على أن الإدارة العادلة والتشاركية للمياه شرط أساسي للسلام والعدالة المناخية.
  • تم الاعتراف بالمجتمع المدني كعنصر أساسي في تعزيز العدالة المناخية، من خلال رفع الوعي، وتضخيم الأصوات المجتمعية، ومساءلة صناع القرار والشركات، وبناء استراتيجيات تضامن عابرة للقطاعات والحدود.
  • ناقش المؤتمر التحديات السياسية والقانونية والأمنية التي يواجهها نشطاء البيئة، والحاجة إلى آليات حماية أقوى، وتنسيق فعّال، ودعم وضغط دولي.
  • سلط المؤتمر الضوء على العبء غير المتناسب الذي تتحمله النساء والشباب والفئات المهمشة من آثار تغير المناخ، وأكد أهمية تعزيز مشاركتهم وقيادتهم في الاستجابات المناخية.
  • تم التأكيد على أن الفن والثقافة والتعبير الإبداعي ليست عناصر تكميلية، بل أدوات أساسية في بناء الوعي، وحفظ الذاكرة، وتعزيز الهوية، ومقاومة التدهور البيئي.

سابعاً: الخلاصة

شكّل مؤتمر العدالة المناخية في بغداد خطوة مهمة نحو تعزيز فهم قائم على الحقوق لتغير المناخ في العراق. ومن خلال الجمع بين المجتمع المدني، والمجتمعات المتضررة، والناشطين، والفنانين، سلّط المؤتمر الضوء على الإلحاحية الراهنة للعدالة المناخية بوصفها واقعًا معيشًا لا قضية مستقبلية.

ورغم أن المؤتمر لا يمثل نقطة نهاية، فإنه أسّس لمسار مستمر من الحوار، والدعوة، والعمل الجماعي، بهدف مواجهة الظلم المناخي في العراق والمنطقة ككل.