المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

المياه والنساء: حين تصبح قطرة الماء قضية عدالة اجتماعية

بقلم لوديا ريمون، ناشطة عراقية نسوية وبيئية.

مع انطلاق أسبوع المياه، يتجاوز الحديث عن الماء كونه مجرد مورد طبيعي ليصبح قضية محورية تتعلق بالحياة والكرامة والعدالة الاجتماعية. فالماء ليس مجرد مجرى نهر أو بئر أو شبكة أنابيب، بل هو حق أساسي يرسم ملامح حياة الأفراد، وبخاصة النساء اللواتي يقفن غالباً في الصفوف الأمامية لمواجهة تحديات ندرة المياه. في العديد من المجتمعات، تقع على عاتق المرأة مسؤولية إدارة المياه داخل المنزل، والتفكير في كيفية تلبية احتياجات الأسرة ليوم آخر في ظل شح الموارد، وتتحمل بصمت عبء نقص المياه. لذا، فإن أي نقاش حول أزمة المياه هو في جوهره نقاش حول النساء ودورهن المحوري.

تتجاوز النساء كونهن مجرد متأثرات بأزمة المياه، ليصبحن صانعات حقيقيات للحلول. فالمرأة التي تعيش تفاصيل الحياة اليومية وتدرك قيمة كل قطرة ماء، تمتلك المعرفة اللازمة للحفاظ عليها وتوزيعها بحكمة. من هنا، فإن إشراك النساء في عمليات صنع القرار المتعلقة بالمياه والبيئة ليس خياراً ثانوياً، بل ضرورة ملحة لبناء مستقبل أكثر عدلاً واستدامة. يجب أن يكون أسبوع المياه تذكيراً بأن حماية الماء هي حماية للحياة ذاتها، وأن تمكين النساء في قضايا البيئة والمياه يمثل ركيزة أساسية للعدالة الاجتماعية. فعندما تُسمع أصوات النساء ويُعترف بإسهاماتهن، تصبح إدارة الموارد أكثر إنسانية وفعالية في حماية كوكبنا الذي نتشارك مسؤوليته.

أزمة المياه عالمياً: أرقام تكشف حجم المشكلة

تُشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أزمة المياه باتت من أخطر التحديات العالمية في القرن الحادي والعشرين. فاليوم، يفتقر أكثر من 2.2 مليار إنسان حول العالم إلى مياه شرب آمنة في منازلهم، بينما يعاني مليارات آخرون من غياب خدمات الصرف الصحي الأساسية. وتُظهر البيانات أن النساء والفتيات هن الأكثر تضرراً من هذه الأزمة؛ ففي سبع من كل عشر أسر لا تصلها المياه إلى المنزل، تقع مسؤولية جلب الماء على عاتقهن. وتقضي النساء والفتيات نحو 200 مليون ساعة يومياً في جمع المياه حول العالم، وهو وقت هائل كان يمكن استثماره في التعليم أو العمل أو المشاركة المجتمعية.

لا يقتصر تأثير نقص المياه على استنزاف الوقت والجهد فحسب، بل يمتد ليشمل الصحة والأمان. فالنساء والفتيات غالباً ما يُجبرن على قطع مسافات طويلة لجلب المياه، مما يعرضهن لمخاطر صحية جسيمة، وفي بعض الأحيان لمخاطر العنف أو التحرش في المناطق النائية. كما أن غياب المياه النظيفة يسهم في انتشار الأمراض المرتبطة بالمياه الملوثة، والتي تتسبب في وفاة نحو ألف طفل يومياً دون سن الخامسة نتيجة لأمراض مرتبطة بالمياه والصرف الصحي غير الآمن.

العراق وأزمة المياه: تحديات تتفاقم

لا يختلف الوضع في العراق كثيراً عن بقية مناطق العالم التي تعاني من أزمة المياه، بل إن التحديات فيه ازدادت تعقيداً خلال السنوات الأخيرة. عوامل متعددة مثل التغير المناخي، التراجع الحاد في مناسيب الأنهار، وسوء إدارة الموارد المائية، فاقمت الأزمة. وتُشير التقارير إلى أن العراق يواجه أدنى مستويات من احتياطي المياه منذ أكثر من 80 عاماً، مما يهدد الأمن الغذائي والزراعة والحياة اليومية للملايين. وقد انخفض تدفق نهر دجلة بنحو 33% خلال العقود الأخيرة بسبب السدود المقامة في دول المنبع، بينما أدى التغير المناخي إلى زيادة موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، جاعلاً الأزمات المائية أكثر تكراراً.

الجنوب العراقي: حين تتحول الأزمة إلى معاناة يومية

تُعد محافظات الجنوب العراقي، مثل البصرة وذي قار وميسان، من أكثر المناطق تضرراً من أزمة المياه. تعتمد هذه المناطق بشكل أساسي على مياه نهري دجلة والفرات وشط العرب، ومع انخفاض التدفقات المائية وارتفاع نسبة الملوحة، أصبحت المياه أقل صلاحية للاستخدام البشري والزراعي. بلغت الأزمة ذروتها في صيف عام 2018، عندما دخل أكثر من 118 ألف شخص في البصرة المستشفيات بسبب تلوث المياه وما نتج عنه من حالات تسمم وأمراض جلدية ومعوية. كما أدى تراجع المياه وارتفاع الملوحة إلى تدهور الزراعة ونفوق الأسماك وتراجع أعداد أشجار النخيل، مما دفع بآلاف العائلات إلى النزوح من أراضيها نحو المدن بحثاً عن مصادر دخل بديلة. وفي كثير من المناطق، أصبح السكان يعتمدون على شراء المياه من صهاريج متنقلة أو محطات التحلية، مما يفرض عبئاً اقتصادياً إضافياً على الأسر محدودة الدخل.

النساء في قلب الأزمة: من العبء إلى الحلول

في ظل هذه الظروف القاسية، تكون النساء غالباً أول من يتحمل تبعات أزمة المياه داخل الأسرة. فهن المسؤولات عن توفير المياه للطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال، وعن التعامل اليومي مع نقص المياه أو تلوثها. وفي القرى والأرياف، حيث تزداد صعوبة الوصول إلى المياه النظيفة، تتحمل النساء عبئاً أكبر في البحث عن مصادر بديلة أو في إدارة المتاح منها بحذر شديد. ومع ذلك، لا تقتصر أدوارهن على التكيف مع الأزمة، بل يشاركن بفاعلية في المبادرات المحلية للحفاظ على المياه والتوعية بأهمية ترشيد استخدامها. وتُشير العديد من الدراسات إلى أن المجتمعات التي تُشرك النساء في إدارة الموارد المائية تكون أكثر قدرة على تحقيق إدارة مستدامة للمياه.

نحو مستقبل أكثر عدلاً واستدامة

إن أزمة المياه ليست مجرد تحدٍ بيئي أو اقتصادي، بل هي قضية إنسانية عميقة تتصل بالعدالة الاجتماعية والحقوق الأساسية للإنسان. ولا يمكن تحقيق إدارة مستدامة للمياه دون إشراك حقيقي وفعال للنساء في عمليات صنع القرار. فالماء ليس فقط مورداً طبيعياً، بل هو أساس الحياة والاستقرار والتنمية. وعندما يُعترف بدور النساء وخبرتهن العملية في إدارة الموارد اليومية، يصبح التعامل مع أزمة المياه أكثر واقعية وقدرة على إيجاد حلول طويلة الأمد. وفي أسبوع المياه هذا، تبقى الرسالة الأهم واضحة: حماية المياه تعني حماية الحياة، وتمكين النساء في قضايا المياه والبيئة ليس مجرد شعار، بل خطوة جوهرية نحو مستقبل أكثر عدلاً واستدامة للجميع.