أزمة رواتب المعلمين وموظفي إقليم كردستان: 11 عامًا من الانتظار والاحتجاج
شمال رؤوف – المنتدى الاجتماعي الكردي
إقليم كردستان جزء من الدولة الفيدرالية العراقية بموجب الدستور المُقَرّ بعد عام 2003، وكانت حكومة الإقليم تتلقى حصتها من الموازنة العامة من الحكومة الاتحادية حتى عام 2014. لكن مع تصاعد الخلافات السياسية والاقتصادية في ذلك العام، خصوصاً بعد بدء حكومة الإقليم ببيع النفط من الآبار الواقعة ضمن الإقليم دون الرجوع إلى بغداد، وإعلان “الاستقلالية الاقتصادية”، تم اتخاذ قرار بوقف صرف الميزانية للإقليم.
منذ ذلك الحين وحتى اليوم، يعاني موظفو ومعلمو إقليم كردستان من أزمة رواتب مزمنة. فحتى وقت كتابة هذا المقال، لم تُصرف رواتب شهري أيار وحزيران لعام ٢٠٢٥. الأزمة طالت جميع فئات الموظفين في الإقليم، وكانت دائماً نتيجة مباشرة لتجاذبات سياسية لا يدفع ثمنها السياسيون، بل المواطنون.
محمد شريف، معلم وناشط مدني في مجال احتجاجات المعلمين، يوضح لنا:
“حتى عام 2014، كانت الحكومة العراقية ترسل شهرياً ترليوناً و300 مليار دينار كحصة للإقليم، لكن بعد إعلان حكومة الإقليم استقلاليتها الاقتصادية، أُوقفت الميزانية، وبدأت أزمة رواتب المعلمين والموظفين.”
يتابع محمد شارحاً التفاصيل الرقمية لأزمة الرواتب:
“منذ ذلك الحين، من أصل 121 شهراً، تم صرف 58 راتباً فقط بالكامل، و18 شهراً لم تُصرف أبداً، و34 شهراً صُرف فيها ربع الراتب فقط، بينما خُفضت رواتب 9 أشهر بنسبة 21%، وشهر واحد بنسبة 18%. هذا بالإضافة إلى إيقاف الترفيعات الوظيفية بهدف منع زيادة الرواتب.”
ويضيف محمد: “العراق وافق مؤخراً على إرسال رواتب موظفي الإقليم، ولكن بشرط تسليم ملف النفط والمعابر الحدودية والإيرادات الداخلية لحكومة المركز، وتوطين الرواتب عبر البنوك. لكن الأحزاب الحاكمة في الإقليم ترفض ذلك لأنها ستخسر السيطرة على تجارة النفط والإيرادات التي تحتفظ بها.”
ينهي محمد حديثه برسالة حاسمة:
“قادة الإقليم يعيشون كالملوك، ويستطيعون دفع الرواتب من مواردهم، لكنهم لا يهتمون بشعبهم ولا بجوعهم، بل ينشغلون بصراعات خارجية تخدم مصالحهم.”
النساء في خط المواجهة: احتجاجات، سجون، وتهديدات
شنة علي خياط، معلمة من السليمانية، تُعد من أبرز القيادات النسائية في احتجاجات المعلمين. شاركت منذ عام 2014 في المظاهرات، وتم اعتقالها مرتين.
تقول: “في آخر احتجاج بسليمانية في تموز 2025، تم اعتقالي. سبق ذلك مشاركتي في إضرابات متواصلة خلال السنوات، منها نصب خيم أمام المحكمة في السليمانية لأسبوعين، وإضراب عن الطعام أمام مقر الأمم المتحدة لمدة 15 يوماً، وقطع طريق ناحية عربت الذي تمر منه شاحنات النفط.”
أما عن محاولات الترهيب، فتضيف: “في إحدى المرات، حاول مسلحون اختطافي أمام بيتي، لكنني نجوت.”
رغم العنف، تقول شنة: “كنت أُعامل بعنف في الشارع من قبل قوات الأمن، لكن داخل السجن كان التعامل جيداً نوعاً ما.”
وتعبّر شنة عن فخرها بقيادتها للاحتجاجات في مجتمع يفتقر إلى القيادات النسائية:
“يسعدني أن أكون مصدر أمل، لم أفكر يوماً بشكل سلبي، ولم أخف أبدًا من تشويه سمعتي كامرأة، بل زادني ذلك التزاماً بالنضال.”
أكثر ما يحزنني هو “صمت الناس، والانقسام، وانعدام الثقة بين الشعب والمجموعات الاحتجاجية”.
أربيل: بين الصمت والخوف
في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، تبدو المظاهرات نادرة. يقول البعض إن السبب هو الخوف من السلطات، وآخرون يرون أن الناس لا تؤمن بجدوى التغيير.
محمد جوماني، معلم وناشط مدني وكاتب، كان من قيادات احتجاجات أربيل حتى عام 2018. يروي لنا:
“منذ عام 2014 كانت هناك مسيرات ومظاهرات محدودة. في 2015 توسعت، وفي 2016 و2017، شاركنا في احتجاجات أمام برلمان الإقليم. في إحدى المرات، اقتحمنا وزارة التربية وأوقفنا اجتماع مجلس الوزراء، وأجبرنا الوزير على الاستماع لمطالبنا.”
يتابع محمد: “في 24 آذار 2018، عقدنا أول اجتماع لتأسيس مجلس إلغاء متأخرات الرواتب في متنزه شاندر بمشاركة 20 معلماً، وأصدرنا بياناً صحفياً. في اليوم التالي، خرج آلاف المعلمين في مظاهرات واعتُقل العشرات وتعرض البعض للتعذيب.”
يضيف: “الاحتجاجات انتشرت إلى دهوك وسوران. وتحت ضغط الشارع، رفعت الحكومة الرواتب من ربع الراتب إلى 80%. لكن لاحقاً، قُمعت الاحتجاجات وبدأت حملات اعتقال وترهيب.”
وعن غياب الاحتجاجات مؤخراً، يقول محمد:
“في أربيل، لا يُسمح بأي حركة احتجاجية، والناس خائفة. وفي السليمانية أيضاً، إذا لم توافق السلطة الحاكمة على المظاهرات، يتم قمعها وسجن المشاركين.”
هذه الشهادات تفضح طبيعة الأزمة: صراع سياسي واقتصادي يدفع المواطنون ثمنه، في ظل غياب شفاف للمحاسبة، وتواطؤ مركزي ومحلي يجعل من الرواتب أداة للابتزاز، وليس حقاً مضموناً لكل من يخدم في المؤسسات العامة.


