من تقليص المساعدات إلى العمل الجماعي: ما هو مستقبل الفضاء المدني في العراق؟
بغداد، 18 تموز/يوليو 2025 – في لحظة حاسمة بالنسبة للمجتمع المدني العراقي، اجتمع أكثر من ستين مشاركاً – من ناشطين وباحثين وممثلين عن منظمات غير حكومية محلية ودولية – في “المحطة” للمشاركة في مؤتمر وطني بعنوان “من تقليص المساعدات إلى العمل الجماعي: ما هو مستقبل الفضاء المدني في العراق؟”، نظمه كل من المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي(ICSSI) والمنتدى الاجتماعي العراقي (ISF)، بدعم من منظمة CCFD-Terre Solidaire.
جاء المؤتمر في أعقاب التحول جذري الذي طرأ في وقت سابق من هذا العام، أدى التوقف المفاجئ لتمويل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) إلى دفع العديد من منظمات المجتمع المدني إلى حالة من الارتباك. ووفقاً للبيانات المعروضة خلال الفعالية، اضطرت 39% من منظمات المجتمع المدني إلى تقليص أنشطتها إلى النصف أو أكثر، واضطر بعضها إلى الإغلاق الكامل. لكن هذه اللحظة من الاضطراب أطلقت أيضاً شيئاً آخر: رغبة جماعية في إعادة التقييم وإعادة التنظيم وإعادة تصور ما يمكن أن يصبح عليه المجتمع المدني في العراق.
من الأزمة إلى الوعي: لغة جديدة للعمل المدني
بدأ اليوم بلحظة صمت حداداً على ضحايا حادثة الكوت، تلاها بيان علني للتضامن مع حملة أنقذوا نهر دجلة، التي تم استبعادها من اجتماع لليونسكو بعد ضغوط من الحكومة التركية. في حركة واضحة الصمود، مؤكدة أن الأصوات المدنية – وخاصة تلك التي تدافع عن التراث الطبيعي للعراق – يجب ألّا تُسكت.
الجلسة الافتتاحية، التي أدارتها ياسمين فلاح (مركز المعلومات – INFO-Center)، ضمت هناء حمود ( منظمة الإغاثة العامة – PAO) وعبد الله خالد ( منظمة الإغاثة العامة – PAO)، وقدما تشخيصاً نقدياً للوضع: أزمة التمويل ليست سوى قمة جبل الجليد؛ فخلفها تكمن تبعيات هيكلية عميقة الجذور، وغياب استراتيجيات طويلة المدى، وتشتت داخل القطاع نفسه.
قال السيد عبد الله: “المسألة ليست مجرد تمويل، إنها مسألة مساءلة. من الذي يتخلى عن من؟“
وشاركت السيدة هناء تجربة منظمتها، حيث لم يشكل تمويل USAID سوى 10% من ميزانيتهم، لكن تأثير فقدانه كان واضحاً. فلجأوا إلى المتطوعين، وبسطوا العمليات، وبحثوا عن شراكات جديدة. ومع ذلك، اتفق كلا المتحدثين على أن العمل التطوعي لا يمكن أن يحل محل البنية المؤسسية؛ فهو إجراء مؤقت، لا حل طويل الأمد.
دفع السيد عبد الله النقاش إلى أبعد من ذلك: فالأمر لا يقتصر على المانحين الذين يجب أن يغيروا نهجهم، بل على منظمات المجتمع المدني نفسها أن تعيد تصور كيفية تعريفها للأثر والشرعية. وقال: “علينا أن نتوقف عن التفكير كمشاريع مؤقتة. نحن لسنا مجرد منفذين – نحن فاعلون اجتماعيون وسياسيون.“
وشددت الجلسة على أن إعادة التفكير في الاعتماد على المساعدات تعني أيضاً استعادة الهوية المدنية. يجب على المجتمع المدني أن يضع نفسه ليس كبديل عن المؤسسات الغائبة، بل كقوة تشكل المخيلة العامة، وتبني المساءلة، وتحمي الحقوق الأساسية. ويتطلب ذلك إعادة تأكيد القيم، واحتضان التعقيد، ورفض التنازل عن المبادئ باسم البقاء.
ستة تحديات، هدف واحد مشترك
في صميم أعمال اليوم كانت هناك ست مجموعات عمل موضوعية، كُلِّفت كل منها بمعالجة جانب حاسم من جوانب استدامة المجتمع المدني. وما نتج عنها لم يكن مجرد قائمة توصيات، بل ملامح خارطة طريق استراتيجية للصمود والتحول.
الأطر القانونية لاستدامة المنظمات غير الحكومية
الدعوة إلى إصلاحات تضمن استقلالية دائرة المنظمات غير الحكومية، وتوحيد الإجراءات بين المحافظات، وضمان تخصيصات من الموازنة العامة لصالح منظمات المجتمع المدني.
إشراك القطاع الخاص
إدخال حوافز ضريبية للشركات التي تدعم المجتمع المدني؛ تدريب منظمات المجتمع المدني على بناء شراكات أخلاقية ومتبادلة المنفعة؛ تحديد الجهات الفاعلة في القطاع الخاص التي تتماشى أهدافها مع القيم المدنية.
التوطين والديناميكيات التنافسية
التصدي للمنافسة المفروضة من المانحين عبر تعزيز الشفافية، والتفاوض الجماعي، وتشكيل تحالفات محلية. ينبغي إشراك منظمات المجتمع المدني العراقية في مراحل تصميم المشاريع المبكرة، لا في مرحلة التنفيذ فقط.
مصادر تمويل بديلة
بدءاً من إطلاق مشاريع مدرّة للدخل وصولاً إلى الدعوة لتخصيص 1% من ميزانية الرئاسة لصالح المجتمع المدني.
إدماج المنظمات التي تقودها النساء والشباب والأقليات
ضمان الوصول إلى تمويل عادل، وحماية قانونية، وبناء القدرات، ودعم نفسي-اجتماعي. تعزيز تمكين القواعد الشعبية من خلال التعليم والفنون والرياضة، مع تبسيط إجراءات التسجيل المرهقة.
التنسيق والتضامن
معالجة التشرذم بشكل مباشر من خلال تطوير بنية تحتية رقمية مشتركة، ومنصات موحّدة للمناصرة، وآليات لتقاسم الموارد بين المنظمات الصغيرة.
ما بعد الطوارئ: خارطة طريق للمستقبل
إن الإحساس بالإلحاح الذي ساد أجواء المؤتمر لم يُترجم أبداً إلى روح استسلام، بل على العكس، كان بمثابة محفز لمواجهة حقيقة صعبة: على المجتمع المدني في العراق أن يتعلم الآن كيف يعيش – ويزدهر – خارج الإطار التقليدي للمساعدات الأجنبية. الهدف ليس مجرد تعويض ما فُقد، بل تحويل هذه الأزمة إلى أساس لنموذج مدني جديد، تكون فيه الاستدامة متجذرة في الاستقلالية والتعاون والثقة.
أولاً وقبل كل شيء، التغيير الداخلي أمر أساسي. تعمل العديد من المنظمات بهياكل داخلية هشة، تعتمد في الغالب بشكل مفرط على قدرة بضعة أفراد. يجب أن يشمل المسار المستقبلي إصلاحات في الحوكمة، وتوضيح الأدوار والمسؤوليات، وإعادة التوازن في الديناميكيات الداخلية للسلطة. إن اتخاذ القرارات بطريقة ديمقراطية، والتخطيط طويل المدى، والملكية الجماعية، لم تعد خيارات إضافية، بل هي البنية التحتية الوحيدة الممكنة للصمود.
وبالتوازي، هناك حاجة لتحول استراتيجي في إدارة الموارد البشرية. إن تقدير العمل التطوعي – رغم أهميته – لا يمكن أن يحل محل التوظيف العادل والمستقر والمؤهل. إن الاستثمار في الأفراد يعني أكثر من مجرد إبقاء العمليات قائمة؛ إنه يعني بناء حركة قادرة على الاستمرار. وهذا يستلزم خطط توظيف مستدامة، وتدريباً مستمراً، واستراتيجيات فعالة للاحتفاظ بالكوادر، لا تستغل النوايا الحسنة، بل تبني الاحترافية.
كما يجب إعادة تصور الاستدامة المالية. بدلاً من انتظار عودة المانحين الأجانب – أو التعويل على منح متقطعة – بدأت المنظمات في استكشاف نماذج محلية لجمع التبرعات، ومبادرات مدرّة للدخل، وشراكات متبادلة الاحترام مع القطاع الخاص. هناك إدراك متزايد بأن بناء “ثقافة العطاء” داخل العراق ليس أمراً ممكناً فحسب، بل ضرورياً. بدءاً من إشراك الجاليات العراقية في الخارج، ووضع آليات تبرع مجتمعية، وصولاً إلى المقاهي ومحال الحرف اليدوية والتعاونيات الاجتماعية، تكمن الفكرة في تنويع مصادر التمويل دون المساس بالقيم.
على الصعيد القانوني، يعد الضغط من أجل الإصلاح المؤسسي أمراً أساسياً. يجب إعادة النظر في قانون المنظمات غير الحكومية الحالي لإزالة البيروقراطية المفرطة وضمان الوصول إلى تخصيصات من الموازنة الوطنية. كما أن الحوافز الضريبية للمتبرعين من القطاع الخاص، وآليات المساءلة الواضحة، وتبسيط إجراءات التسجيل، ستخفف بشكل كبير من الأعباء التشغيلية على منظمات المجتمع المدني. الأمر هنا لا يتعلق بالمطالبة بالإحسان، بل بالاعتراف بالدور الدستوري للمجتمع المدني في الحياة الديمقراطية.
كما يجب إعادة بناء الثقة العامة. ما زالت منظمات المجتمع المدني في العراق تواجه الشكوك، والمعلومات المضللة، وأحياناً العداء الصريح. وغالباً ما يتم تصويرها ظلماً كأدوات لأجندات خارجية أو كمشاريع هادفة للربح. كسر هذه الصورة النمطية يتطلب استراتيجية تواصل جريئة، شفافة، وسهلة الوصول، ومتجذرة في التجارب المعيشة للمجتمعات. يجب أن يصبح المجتمع المدني مرئياً وذا مصداقية في نظر المجتمع، ليس فقط من خلال التقارير، بل عبر التواصل اليومي مع النقابات، وزعماء العشائر، والشخصيات الدينية، والمؤسسات المحلية.
وأخيراً، يجب أن يصبح التعاون – لا التنافس – هو القاعدة. بدءاً من تقاسم المستشارين القانونيين إلى استضافة فعاليات مشتركة، ومن الشبكات الموضوعية المعنية بالشباب والمناخ وحقوق المرأة، إلى التحالفات الاستراتيجية بين دول الجنوب، فإن إمكانيات العمل الجماعي هائلة. لقد كان تشرذم القطاع منذ زمن بعيد نقطة ضعفه؛ أما الآن، فيمكن أن تصبح أجندة سياسية وتشغيلية مشتركة هي مصدر قوته.
هذا مجرد بداية
لم يكن المؤتمر نهاية المطاف، بل بداية: مساحة للتعبير عمّا كان يشعر به الكثيرون منذ زمن. نداء لتجاوز مرحلة البقاء والقدرة على تخيل شيء أكثر عدلاً ومتجذراً في الواقع المحلي.
لم تقدّم بغداد مخططاً جاهزاً، لكنها قدّمت قناعة مشتركة: التغيير لن يأتي من الأعلى، بل يجب أن ينمو من الحوار والثقة والرفض الجماعي للاختفاء. هذه اللحظة تتطلب أكثر من مجرد الصمود؛ إنها تتطلب شجاعة إعادة التفكير في المجتمع المدني، والإيمان بأن هناك طريقاً آخر ممكناً.
لقد خرج المؤتمر بثروة من الأفكار والمقترحات – شهادات على الالتزام والقلق والمقاومة الإبداعية. ونحن في المبادرة الدولية للتضامن مع للمجتمع المدني العراقي (ICSSI) والمنتدى الاجتماعي العراقي (ISF) ندرك مسؤولية احتضان هذه الطاقة الجماعية بحرص. في الأشهر المقبلة، سنأخذ الوقت للتأمل فيما تم تبادله، ومع أعضائنا ومجتمعاتنا، سنعمل على فهم كيفية المضي قدماً. سنبني على تلك المقترحات التي تتماشى مع قيمنا ورؤيتنا وهويتنا كمبادرة تضامن، وسنحدد على هذا الأساس الاتجاهات الاستراتيجية المقبلة.