المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

لنذهب! ساعدنا لنتحسن. شارك في الاستطلاع.

من العالم الخفي لتجارة الاثار المهربة

أول مقابلة مع “روبرت هيشت” تاجر آثار مثير للجدل، تسلط الضوء على تجارة الاثار المسروقة والمهربة، قام بالمقابلة جيرالدين نورمان

عن صحيفة الاندبندنت البريطانية
ترجمة طيف علوجي – مبادرة التضامن مع المجتمع المدني العراقي (ICSSI)

في عام 1972 اشترى روبرت هيشت صندوقاً مليء بأجزاء من أواني الزينة اليونانية، قام بلصقها معاً مرة اخرى وبيعها إلى متحف متروبوليتان في نيويورك بقيمة مليون دولار، وهو أعلى سعر تم تسجيله لشراء أعمال من العصور الكلاسيكية القديمة. هذا الإناء، الذي كان ينقص قطعة او اثنتين مفقودتين منه، كان يصور وفاة ساربيدون، وهو ابن زيوس الذي قتل في حروب طروادة، ورسمه إيفرونيوس في حوالي سنة 510 قبل الميلاد، وهو احد رسامي الاواني اليونانية.

قطع اثار تم تهريبها من العراق مؤخرا
قطع اثار تم تهريبها من العراق مؤخرا

وأعقب ذلك فضيحة دولية كبرى. حينما إدعى الايطاليين بأن الاناء قد تم نبشه اثناء التنقيب من تشيرفيتيري، بالقرب من روما، وتهريبه إلى خارج إيطاليا، وبذلك تم اصدار مذكرة اعتقال لهيشت في أبريل عام 1973 – والتي تم إلغائها بعد ستة أشهر عندما وجدوا أن الادلة ضده “غير كافية ومُختلف عليها” على حد سواء.
فيما قام الامريكان بعمل تحقيق باشراف هيئة محلفين كبرى،  انتهى الأمر لهذه الهيئة بقبول قصة هيشت: التي قال فيها أنه اشترى محتويات الصندوق من تاجر بيروتي في سويسرا.
هيشت، الذي ناهز عمره الـ 75 عام، ظل المزود العالمي الرائد للآثار العظيمة لهواة تجميع الآثار والمتاحف. قد تعتقد انت ان التجارة في الفن والقطع الأثرية التي تعود للحضارات القديمة هو شأن متحضر، الا ان أهم الكنوز التي يتم تداولها في السوق الان تم حفرها بشكل غير قانوني في جوف الليل وتهريبها إلى خارج بلدانها الأصلية. إن قضايا المحاكم والمعارض الاخيرة – كمجموعة جورج اورتيز في الأكاديمية الملكية – على سبيل المثال، قد ركزت اهتمام الجمهور على هذا العالم المظلم. ومع ان القصة غير واضحة قليلا فإنه وفقا لروبرت هيشت، تم تحريفها بإستمرار في الصحافة.
هيشت، الأمريكي الاصل والمقيم في باريس، وافق مؤخرا على التحدث معي – في أول مقابلة صحفية له – في محاولة لمواجهة ما يعتبره موجة من التضليل. في حين أن العديد من الناس قد تعارض هذه المسألة والتي من وجهة نظر هيشت لأخلاقيات التجارة تستند على إفتراض بسيط: وهو ان ما يهم حقا هو دراسة الفن القديم والحفاظ عليه، وليس من أين يأتي.
هيشت، هو مزيج من الباحث، المتذوق والمغامر. لديه قدرة لا تخطيء على رصد الاثار المزيفة على الفور، لاسيما ان تجارة الاثار القديمة والحديثة تزدهرعلى حد سواء. لديه عين إستثنائية لكشف الجودة. علمه يمتد لمجال أوسع بكثير من معظم الأكاديميين، الذين يحملون التخصص.
له شعر أبيض قصير التهديب على رأسه الأصلع، ويمشي قٌدماً مع عرج في الساق – على الرغم من ذلك فهو لا يسمح للورك الاصطناعي بمنعه من لعب التنس، اللعبة التي شغف بها مدى حياته.
بدأت عائلته في سلسلة هيشت من المتاجر، ونشأ وترعرع في بالتيمور. تعلم اللاتينية في المدرسة الثانوية، وبدأ اليونانية في الكلية ثم بدأ الدراسات العليا في علم الآثار عندما استدعي في الحرب العالمية الثانية. وبعد القوات البحرية، درس سنة في جامعة زيوريخ لاستحصال درجة الدكتوراه، ثم حصل على زمالة لمدة سنتين في الأكاديمية الأميركية في روما. ولكن في عام 1950 تخلى عن طموحاته الأكاديمية من أجل العمل في الآثار.
في تلك السنة، عقد هيشت أول صفقة بيع له – إلى متحف متروبوليتان في نيويورك – وباع إناء بوليا من القرن الرابع قبل الميلاد ذي الزخرفة الحمراء لرجل يرسم تمثالا من الرخام. يصف الأدب الكلاسيكي التماثيل كزخارف فنية ولكن هيشت لديه بمحض الصدفة التمثيل الوحيد المعروف لكيفية عملها. كيف حصل عليها؟ “ذهبت إلى مدينة بازل لشراء بعض القطع النقدية من مزاد “مينسن أٌند ميداليان” والتقيت بهذا الايطالي الذي أظهر لي صورة”. وقال انه اشتراها من سويسرا، بطبيعة الحال.
على مدى السنوات التالية، أصبح هيشت معروفا كمشتري وكانت تعرض عليه الأشياء دون اضطراره للبحث عنها. كان يصر على أن يكون عمله دائما “عادل أخلاقيا” و”قانوني” على حد سواء. وقال انه لم يقم شخصيا أبدا بتهريب الآثار – كان يشتري في المنطقة المحايدة، مثل سويسرا أو ألمانيا – ويدافع بقوة عن تجارته ضد خصومه، محملا القوانين المعطلة المشاكل الحالية. معظم البلدان التي ازدهرت فيها الحضارات الكلاسيكية حظرت تصدير الآثار، وكانت تدفع تعويضات ضئيلة عندما يتم تسليم الاكتشافات فيها. و حظر معظمهم الاستملاك الخاص للقطع الأثرية العتيقة. يقول هيشت: “إذا كان بإمكان الرجل الحصول على 100000 دولار مقابل قطعة اثرية على الفور أو تسليمها والحصول ربما على 30000 في غضون ثلاث سنوات، فلا يستوجب عليك ان تكون عبقريا لمعرفة أي الخيارات سيختار”.
“إذا كنت ستقول أن الحفريات غير خاضعة للرقابة وتصدير القطع الأثرية غير قانوني، يجب أن أرد بأن عالمنا غير كامل وعلينا فقط تحقيق أفضل ما يمكننا فيه. إذا كانت هذه القطع تجد طريقها مع المجموعات التي يتم عرضها، سواء المجموعات الخاصة أو المتاحف، فبكلتا الحالتي سيربح العالم. وعلى الرغم من أننا لا نعرف سياق القطع، إلا انها لازالت تملك جمالها الذي يمكننا الاستمتاع  به وإجراء مقارنات علمية عليه. ربما سيكون العالم اكثر كمالاً إذا ما تم العثور على كل هذه القطع عن طريق الحفريات الخاضعة للإشراف. لكن الامر ليس كذلك. ولن يكون كذلك يوماُ”.
سألته عن رأيه في ما يقال من حجة ان الاسعار المرتفعة التي غالبا مايدفعها التجار وهواة جمع القطع الاثرية الأجانب هي لتشجيع الحفريات غير الشرعية، و كان الجواب مدوي: “هذه سخافة، إذا لم يتم تصدير هذه القطع فإنها ستبقى مخبأة بعيدا مع المجموعات المحلية. وبدلا من ذلك، كان لدينا مجموعات ليون ليفي وشيلبي الأبيض المعروضة في متحف متروبوليتان في نيويورك، ومجموعة جورج اورتيز في الأكاديمية الملكية في لندن. وفي خريف هذا العام سيتم عرض مجموعة فليشمان في متاحف غيتي وكليفلاند – وهناك العديد من هواة جمع القطع الاثرية الأخرين الذين عملوا معارض. وكما يقول، بهذه الطريقة، فإن القطع العظيمة يتم العناية بها ودراستها، وعرضها وأظهارها للجمهور.
كما أنني سألته عن النظرية القائلة بأن سوق الآثار تسيطر عليه المافيا الان. وقال ان ذلك غير صحيح. “ليس هناك ما يكفي من المال في الآثار لجذب المافيا – أستطيع ان اقول ان حوالي 12 قطعة مصدرة فقط عبر سعرها حاجز المليون دولار”. وأوضح الطريقة التي يعمل بها سوق الآثار: يعثر القرويين على القطع والمواد، إما بمحض الصدفة أو مع أجهزة الكشف عن المعادن. فيقومون ببيع هذه المواد إلى الوسطاء الذين هم على اتصال مع اهل القرى. الوسطاء يقومون بتسليمها الى ‘شركات الشحن التي تخرجها من بلد المنشأ عن طريق رشوة موظفي الجمارك. وهذا هو التهريب الفعلي، كما يقول.
في الوقت الذي يمتلك فيه هيشت العديد من الأصدقاء من علماء الآثار والأكاديميين في المدن الكلاسيكية، الا انه يعامل بحذر من قبل السلطات. في عام 1961 اتهمه الايطاليين بتجارة الآثار، ولكنهم لم يجدوا أدلة كافية وأسقطت القضية. ثم في عام 1973 أعلنوا أنه شخص غير مرغوب به في ايطاليا، بسبب قضية إناء إيفرونيوس ، حيث انه لم يسمح له بالعودة الى ايطاليا حتى عام 1982.
كانت لديه أيضا عدد من الخلافات الصغيرة مع السلطات التركية. ففي رحلة داخلية من أزمير الى اسطنبول في عام 1962، أخرج بعض القطع النقدية البرونزية الرومانية التي اشتراها من السوق، وبدأ بتنظيفها. فأخبرت مضيفة الطيران القبطان أن هناك راكب مع قطع نقدية قديمة، فطلب قبطان الطائرة من الشرطة ملاقاة هيشت على مدرج المطار. تم أخذ القطع النقدية منه لمدة ثلاثة أيام حتى سمع القاضي قضيته وأشار إلى أنه لم ينتهك أي قانون تركي. بعد ست سنوات، عندما وصل إلى أنقرة، لم تسمح السلطات له بدخول البلاد. لم يعطى أي سبب لذلك ولم يرفع الحظر عنه حتى عام 1980.
لم تأثر هذه المضايقات على أعماله التجارية. كزميل باحث، قال بأنه يتعامل بسهولة مع أمناء المتاحف وإنه قد قام بالبيع إلى المتحف البريطاني ومتحف اللوفر ومتاحف ميونيخ وبرلين وبوسطن ومعظم المؤسسات الكبرى التي تقوم بجمع الآثار. الا انه، وحده المتحف البريطاني يرفض الآن شراء القطع التي ليس لها تاريخ الملكية، وبالتالي فإنه من الممكن تهريبها بسهولة.
قام هيشت ايضا بتقديم مساعدات مجهولة الاسم إلى المتاحف في إيطاليا وتركيا واليونان. ومن وقت لآخر، فإن القطع المعروفة والمسجلة كمسروقات، وربما منذ قبل سنوات، بدأت تظهر في السوق الدولية. الا ان سياسة هيشت تقوم على انه اذا اكتشف انه قد اشترى قطعة مسروقة عن طريق الخطأ، فإنه يقوم بتسليمها بشكل مجهول الى السفارة المعنية في برن.
إلى جانب الآثار، فإن من اهم اهتمامات هيشت هي عائلته – زوجة وابنتين – ، التنس، الكلاريت وطاولة الزهر. هيشت بارع كثيرا في الاستمتاع بالحياة. في الواقع، ان واحدة من اهم أسرار نجاحه كتاجر هي طريقته في الاستمتاع بجمع الآثار. أراني خوذة مصنوعة لأحد جنرالات الإسكندر الأكبر – وهي المثال المعروف الأكثر اكتمالا حاليا – وسمح لي بتجربتها. وعندما ذهب هيشت للبحث عن الكاميرا، سلم لي مساعده درعاٌ.