المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

نساء روج آفا في خطر… والتبعات تطالنا جميعًا

مقال نُشر بقلم ناتاشا والتر (Natasha Walter) في صحيفة The Guardian بتاريخ 22 يناير/كانون الثاني 2026.
يمكنكم الاطلاع هنا على رابط المقال الأصلي باللغة الإنجليزية.

على مدى عقد من الزمن، شكّلت المنطقة ذات الإدارة الذاتية في سوريا حصنًا للمساواة بين الجنسين. وهي تحمل دروسًا مهمّة في مواجهة السلطوية.

قبل عام، كنتُ في شمال شرق سوريا، في المنطقة ذات الغالبية الكردية المعروفة باسم روج آفا، أستمع إلى بعضٍ من أكثر النساء إصرارًا ممن قابلتهنّ في حياتي. في يومي الأول هناك، حضرتُ مؤتمرًا ضخمًا حيث راحت النساء، واحدةً تلو الأخرى، بلباس كردي وعربي وآشوري، يحرّكن الجمهور ويشعلنه بهتافات: «جين! جيان! آزادي!» (امرأة! حياة! حرية!).

عندما زرتُ المنطقة، كانت هذه الرقعة من سوريا، لأكثر من عقد، تُدار قبل إدارة ذاتية (الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا – Daanes). وقد كان التزامها بالحقوق المتساوية لافتًا: إذ إن كل مؤسسة أنشأتها اعتمدت مبدأ تقاسم السلطة بين الرجال والنساء. وليس من المستغرب أن كثيرًا من النساء اللواتي التقيتهن هناك بدَوْن متفائلات بمستقبلهن. قالت لي إحداهن: «سيكون هذا قرن حرية النساء». وأضافت: «نحن متضامنات مع النساء المقاومات في أنحاء العالم».

أما الآن، فأنا أتلقى رسائل من هؤلاء النساء تتحدث عن يأسهن. يقلن إن المستقبل مظلم. ويتحدثن عن خيانة من الغرب. ويقلن إنهن يواجهن خطر المذبحة.

تتعرض هذه المنطقة ذات الحكم الذاتي لخنقٍ متعمّد، في ظل مساعي الحكومة السورية، بقيادة أحمد الشرع، لإخضاع البلاد بأكملها لسلطتها. ولدى الأكراد في شمال شرق سوريا أسباب حقيقية للخوف من طبيعة هذه السيطرة، إذ شهدت مناطق أخرى مؤخرًا مجازر بحق أقليات مختلفة، من بينها العلويون والدروز. ويجسّد الشرع، بخلفيته المرتبطة بتنظيم القاعدة وتوجهه نحو إقامة سلطة مركزية صارمة، نقيضًا كاملًا للقيم العلمانية واللامركزية التي تقوم عليها الإدارة الذاتية.

ومع تقدّم قوات الحكومة، تقلّصت بالفعل بشكل حادّ المساحات الخاضعة لسيطرة الإدارة الذاتية. فقد خرجت عن قبضتها مناطق من شمال شرق سوريا لا يشكّل الأكراد فيها أغلبية، فيما باتت حتى المعاقل الكردية الأساسية نفسها مهدَّدة.

إن الرسائل التي تصلني من نساء روج آفا مفجعة، لكنها في الوقت نفسه تعبّر عن تصميم لا يلين على الدفاع عن منجزات شمال شرق سوريا. ولا يجوز الاستهانة بهذا التصميم أو اختزاله في مجرد خطاب، فقد خاضت قوات المنطقة، بقيادة قوات سوريا الديمقراطية (SDF) ذات الغالبية الكردية، وبمشاركة فاعلة من وحدات حماية المرأة (YPJ)، جيش النساء، معارك حاسمة أسفرت عن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية.

وفيما أكتب هذه السطور، لا يزال وقفُ إطلاق نارٍ الهشّ قائمًا، ويؤكد ممثلو الإدارة الذاتية استمرار أملهم في أن تفضي المفاوضات إلى تسوية تصون حقوق وحريات الأكراد وسائر الأقليات. لكن لا مجال لتجميل الواقع: مستقبل المنطقة يلوح قاتمًا. وما يجري هناك يتجاوز حدودها المتغيرة، إذ لطالما امتلكت روج آفا قدرةً على الإلهام تتعدّى جغرافيتها.

تمام، هذه صياغة أوضح وأكثر مباشرة، بدون تلطيف زائد:

لقد ألهم التزامُ الإدارة ببناء نظام سياسي لامركزي، من القاعدة إلى القمة، قطاعات واسعة من الفوضويين والاشتراكيين. لكن هذا الطموح لم يتحقق كما رُوِّج له. فالتجربة واجهت إخفاقات واضحة في التطبيق، مع تقارير عن انتهاكات لحقوق الإنسان وقمع للاعتراض، إضافة إلى شعورٍ واسع لدى كثير من العرب بأن السلطة كانت، عمليًا، محتكرة من قبل الأكراد. لذلك، فإن التعامل مع روج آفا بوصفها نموذجًا مثاليًا يتجاهل الفجوة الحقيقية بين الخطاب والواقع.

لكن حيثما جرى تطبيق أفكارها فعليًا، كانت نتائجها تحوّلية بحق. فقد ضمنت اتخاذ القرارات على مقربة من الناس، وبأيدي من تمسّهم مباشرة؛ سواء تعلّق الأمر بتوزيع الغذاء في مخيمات النازحين أو بإصلاح النظام القانوني مع إعطاء أولوية للعدالة التصالحية.

وفي الوقت ذاته، شكّل التزام الإدارة بالمساواة بين الجنسين قوةً مضادة واضحة للبُنى الأبوية السائدة. فالنسوية التي تبلورت هناك لم تكن استنساخًا للنموذج الغربي، بل نهجًا متجذّرًا في سياق محلي، استلهمته النساء الكرديات من تقاليدهن الخاصة، من حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة إلى تاريخ مشاركتهن في النضالات الكردية عبر المنطقة.

ما هزّني بعمق كان ذلك اليقين الفكري لدى النساء اللواتي التقيتهن — وليس المقصود هنا الكاتبات أو المعلمات فحسب، بل جميع النساء: من الجنديات إلى القاضيات، ومن عاملات مصانع النسيج إلى المشاركات في اللجان الزراعية. كنّ يقرأن مفكّرات نسويات من نوال السعداوي إلى فرجينيا وولف، ومن ساكينة جانسيز إلى روزا لوكسمبورغ، لا بوصفها نصوصًا مقدّسة، بل بوصفها أفكارًا قابلة للفحص والتفكيك: ما الذي يمكن تطبيقه عمليًا؟ وأين تقف حدود الليبرالية الغربية حين يتعلّق الأمر بحقوق النساء؟ وكيف يمكن للنسوية والاشتراكية أن تتقاطعا بدل أن تتعارضا؟

هذه العملية النشطة لإعادة صياغة النظرية النسوية وتطبيقها عمليًا لا يمكن أن تكون أبعد عن القوى التي تواجه روج آفا اليوم. فجميع القوى الصاعدة حول العالم — من الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب، إلى سوريا بقيادة الشرع، ومن تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان إلى روسيا بقيادة فلاديمير بوتين — مستعدة لسحق حقوق النساء تحت الأقدام، مع ازدرائها للديمقراطية.

لم يكن السؤال “كيف يمكن للناس بناء قوة مضادة لتنامي السلطوية؟” أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. لقد كرّست النساء والرجال في شمال شرق سوريا طاقاتهم لسنوات طويلة للإجابة عنه، والآن يقع على عاتق كل من تأثر بهذه الجهود أن يفكر في سبل التضامن.

يمكن أن يتجسد التضامن في استخدام أصواتنا للضغط على حكوماتنا لدعم حقوق النساء والأقليات في المنطقة، وكبح طموحات حكومة دمشق القمعية. ويمكن أن يشمل الانخراط مع أفكار وممارسات الديمقراطية المباشرة التي تميز نظام الحكم هناك حين يكون في أفضل حالاته. كما يمكن أن يعني محاولة بناء نسوية أكثر جماعية وثقة في مجتمعاتنا نحن.

ناتاشا والتر هي مؤلفة كتابي Before the Light Fades وLiving Dolls: the Return of Sexism.