المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

العراق … مخاضات التحول وبناء الدولة

عدي حاتم

بعد نحو 12 عاما على سقوط نظام صدام حسين والحديث عن التحول المفترض نحو الديمقراطية في العراق ، تشير كل الوقائع على الارض الى  ان هذه البلاد تتجه بصورة حثيثة لتكريس هيمنة رجال الدين والتحول نحو دول ثيوقراطية بخصوصة عراقية وفي حالة منفردة لاتشبه اي دولة او اي تجربة سابقة .

unnamed

ولا يمكن البناء على  بعض المظاهر التي تنسب الى الديمقراطية الاجرائية والتمثيلية مثل التصويت على الدستور عام 2005 و اجراء الانتخابات البرلمانية  في التصنيف الديمقراطي ، لإن هذه المظاهر تجعل العراق يبدو نظريا فقط بانه بلد ديمقراطي .

فالمواطن لم يكن حرا في اختياره بل كان تحت تأثير الفتاوى الدينية والخوف من المذهب الآخر بالنسبة للشيعة والسنة ، والخوف العرقي بالنسبة للاكراد وباقي الاقليات القومية لذلك تحولت الإنتخابات في العراق الى مناسبة لتكريس الانقسام المذهبي والعرقي والاثني في البلاد وليس للتعبير عن الإرادة الحرة في اختيار ممثلين الشعب على اساس الكفاءة والبرنامج والحاجة الحياتية للناس، فالمواطن لايقرأ برامج المرشحين ، ولا الى ما سيقدموه من خدمات بل هو يصوت تحت تأثير عاملين هي الاستجابة لفتاوى رجال الدين ، وعامل الخوف من الآخر .

وبهذه الطريقة فقدت الإنتخابات كل معناها لانها في الحالة العراقية تكون مفتقدة لاهم عنصر وهو الاختيار الحر للمواطنين  ، وبذلك تكون أهم مقومات الديمقراطية وهي ان تكون الحاكمية للجماهير وان يكون الشعب مصدر السلطات ، غائبة او مفقودة لمصلحة إرادة وحاكمية رجال الدين، وبالتالي فالعراق أقرب للحالة الثيوقراطية منها الى الحالة الديمقراطية ،فالفرق بين الدولة الديمقراطية والدولة الدينية هو ان الاولى تخضع لإرادة الجماهير وتشرع قراراتها وقوانينها عبر  برلمان منتخب وتحت الرقابة العامة ، اما الثانية فتسير وفق فتاوى رجل دين واحد او مجموعة من رجال الدين ومن ثم تمنح تلك الفتاوى الصبغة القانونية والدستورية بإقرارها في البرلمان .

وبعد عام 2003  ومع الدعاية الضخمة عن انشاء اول ديمقراطية في بلد عربي إلا ان العراقيين فقدوا حتى بعض الحريات الخاصة التي لم تمسها الدكتاتوريات مثل  الملبس وطريقة الحياة  ، فالحجاب اصبح مفروضا على الفتيات في المدارس والمؤسسات الحكومية وحتى الشارع في احيان كثيرة في جنوب البلاد ووسطها وغربها .

وتم فصل الإناث عن الذكور في المدارس فضلا عن وجود نهج محموم من الاحزاب الاسلامية الشيعية  لتطبيق هذا الفصل حتى في الجامعات ، أضافة الى ذلك  تم الغاء او إهمال مواد (الموسيقى والرسم والرياضة ) في المدارس واعطاء حصصها لمواد دراسية أخرى ، كما تم التركيز على دراسة الدين بطريقة طائفية تعتمد نشر التطرف وتقديس العنف.

وتفرض المؤسسات والاحزاب والجماعات الدينية سيطرتها و اجندتها على الناس في وسط وجنوب العراق بصورة علنية ولعل اوضحها منع الحفلات الموسيقية والمهرجانات الغنائية في المحافظات والمناطق ذات الغالبية الشيعية ،  اما المحافظات ذات الغالبية السنية فكانت  خلال العقد الماضي خارج سيطرة الحكومة العراقية بالغالب وتحت سيطرة العشائر والتنظيمات المتطرفة متمثلة بالقاعدة وداعش والجماعات الدينية الجهادية الأخرى ، التي نفذت احكام وطريقة حياة القرون الوسطى في تلك المناطق.

وفي كردستان الحال ليس أفضل من باقي مناطق العراق في ما يخص الديمقراطية  الا انه يختلف في ان كردستان تتجه بصورة حثيثة نحو توليتارية قومية كردية دكتاتورية وقمعية .

وعلى الرغم من ان الدستور العراقي يكفل الحريات الخاصة والعامة الا ان هذا الدستور بقي حبرا على ورق ولم تحترمه حتى المؤسسة التشريعة ولا السلطة التنفيذية التي تُصِدر قرارتها بالتراضي وبالتوافق وما يضمن تقاسم المصالح والموارد المالية بين الاحزاب المشتركة بالسلطة وليس بما يتسق واحكام الدستور .

 ومخالفات البرلمان والحكومة العراقية اكثر من ان تحصى لاسيما في ما يتعلق بإصدار القوانين التي تقيد حرية التعبير وحرية الصحافة مثل  مايسمى بـ” قانون حقوق الصحفيين ” الذي تم أصداره عام 2011 ، على الرغم من مخالفته صراحة احكام ( المادة 38 / اولا وثانيا )من الدستور لان هذه المادة لم تنص في فقرتها الاولى والثانية على تشريع قانون لحرية التعبير والرأي او لحرية الصحافة وابقتها كما موجود في دول العالم الحر بإطرها الدستورية وتعريفاتها الدولية ، ولم تنص على عبارة “تنظم بقانون ” الا مع التظاهر السلمي وكما هو واضح في نص المادة “38 ” الذي يقول بصورة لاتحتمل التأويل ولا اللبس  :

تكفل الدولة، بما لا يخل بالنظام العام والآداب:

أولاً:- حرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل.

ثانياً:- حرية الصحافة والطباعة والإعلان والإعلام والنشر.

ثالثاً:- حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، وتنظم بقانون.

كما ان موافقة الحكومة السابقة  على “مشروع قانون الاحوال الشخصية الجعفرية ” وإرساله الى البرلمان لاقراره ، والمحاولات المستمرة حتى اليوم لتمريره عبر البرلمان يعكس خطورة كبيرة ليس في ما يتضمن  من بنود تضفي الحماية القانونية على إغتصاب  القاصرات وشرعنة الطائفية فقط بل ان اخطر مافيه هو انه يمثل في حالة إقراره المسمار الأخير في نعش الدولة الجامعة وتحويل الناس من مواطنين متساويين بالحقوق والواجبات الى اتباع ورعايا لرجال الدين الذي يمنحهم هذا المشر وع السلطة القانونية في التحكم اكثر بالناس ، وبالتالي فان هذا المشروع يعكس الجهد الحثيث لانهاء قيم الدول المدنية الحديثة لصالح سلطة دينية تفرض سيطرتها باسم المذهب والطائفة ووفق فقه ونصوص مطاطة ومبهمة تخضع لمزاجية وإرادة رجل الدين.

 ويبدو ان هذا ما يتجه له العراق وهوإقامة امارات طائفية واثنية وليس دولة وطنية ديمقراطية .