المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

بعد داعش: آفاق عودة نازحي الموصل إلى الأراضي المتنازع عليها في العراق

unnamed

الملخص التنفيذي

أدت التطورات العسكرية والمشاركة العسكرية الدولية إلى انسحاب تنظيم داعش من بعض المناطق التي كان يسيطر عليها في العراق. ومع استعادة القدرة على دخول هذه المناطق، تواجه تجمعات النازحين صعوبات وعقبات عدة في سبيل العودة، في ضوء الاحتمالات القوية بتجدد النزاع المسلح. ومن أجل فهم ديناميات الصراع الحالية، والتجهيز لبرامج بناء سلام تتميز بالحساسية تجاه طبيعة النزاع وتستجيب للواقع على الأرض، بادرت مؤسسة PAX بتكليف الخبراء بإجراء دراسة تقييم نوعي في أوساط المجموعات من مختلف الجماعات الدينية والعرقية التي نزحت من محافظة نينوى إلى إقليم كردستان العراق. وتقوم تحليلات هذا التقرير على أساس تصورات وآراء الجماعات النازحة عن إمكانيات العودة إلى ديارها، ونظرة مختلف الأطراف المعنية تجاه العلاقات بين مختلف الجماعات الدينية والعرقية في محافظة نينوى بعد رحيل داعش.

جغرافياً، تنحصر محافظة نينوى، التي كانت تعرف باسم محافظة الموصل، بين المناطق الكردية بشمال العراق والمناطق العربية بوسط العراق. وتدخل مساحات شاسعة من نينوى ضمن مناطق الحدود الداخلية المتنازعة بين حكومة إقليم كردستان وحكومة العراق. وهذه المنطقة هي موطن غالبية الأقليات في العراق، وتعدّ أكثر مناطق البلاد تنوعاً، إذ أنها موطن للمسيحيين من مختلف الطوائف، واليزيديين والشبك والتركمان والكاكائيين والأكراد والعرب، وقد تعرضت المنطقة في التاريخ الحديث لسياسات التعريب التي فرضها صدام حسين، وتم نقل القبائل العربية إلى هذه المنطقة بغرض تغيير تركيبتها السكانية. وقد أدت تركة الهندسة الديموغرافية إلى التأجيج المتواصل لنار النزاعات على الأرض إلى يومنا هذا، وساهمت في تفشي ظاهرة التهميش، والخلط والإبهام في خطوط السلطة الإدارية، وهشاشة التماسك الاجتماعي، وكلها ظواهر تفاقمت في السنوات التي أعقبت الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003، ومهدت الطريق في نهاية المطاف لنجاح تنظيم داعش في بسط سيطرته على المنطقة في عام 2014.

على الرغم من أن المشاركين من مختلف الجماعات النازحة أفادوا بأن العلاقات بينها كانت مقبولة قبل ظهور تنظيم داعش، فإن النسيج الاجتماعي في المنطقة لا يزال هشاً للغاية. وبتدقيق النظر نجد عدة عوامل تغذي التوترات والمظالم بين هذه الجماعات، رغم أنها عوامل يصعب على المدنيين التعبير عنها بحرية في ظل بيئة القمع التي طالما وسمت العراق. ويستدل من تاريخ النزوح في نينوى على نمط مستمر لاقتلاع السكان المدنيين من ديارهم، إما بتنفيذ السياسات الحكومية الاستراتيجية، أو من جراء اضطهاد الأقليات، أو نتيجة للحوافز الاقتصادية. وقد كانت عمليات النزوح المتعددة للأقليات من مدينة الموصل إلى مناطق أخرى في محافظة نينوى أو إلى إقليم كردستان العراق بمثابة التوطئة لهجرة الأقليات شبه الكاملة من نينوى إثر سيطرة تنظيم داعش عليها في حزيران/يونيو من عام 2014.

لتنظيم داعش عواقب وتبعات معقدة على مستقبل النسيج الاجتماعي في نينوى، وهي عواقب تتجاوز نزوح الناس من المنطقة، حيث تنتشر الانقسامات بين مختلف الأقليات النازحة، بل وداخل الجماعة الواحدة، بالإضافة إلى حالة الاستقطاب العام بين الأقليات والأكراد من جهة، والعرب السنة من جهة أخرى (قطبية الضحية والجلاد). ويشكل هذا السياق الشائك تحدياً جدياً لفرص العودة السلمية والتماسك الاجتماعي في محافظة نينوى بعد رحيل داعش.

تشعر الجماعات الدينية والعرقية النازحة من محافظة نينوى بخيبة أمل شديدة من جراء انعدام الحماية لهم، سواء من قبل الجيش العراقي أو قوات البيشمركة الكردية. كما أن السلطات المحلية، ومجلس محافظة نينوى نزحت إلى أربيل ودهوك وبغداد، والواضح أنها لا تستطيع التأثير على التطورات العسكرية الميدانية أو توفير الخدمات الملائمة في مخيمات النازحين. كذلك ترى مختلف الجماعات الدينية والعرقية في نينوى أن الحكومة العراقية في بغداد باتت غائبة على نحو متزايد، وقد باتت هذه الجماعات تعتمد على الدعم من شبكة علاقاتها الداخلية. وفي هذا السياق، ونظراً لغياب آفاق واضحة للعودة، تأمل الجماعات النازحة أن توطّن في الخارج أو أن تؤسس ميليشيات خاصة بها على أسس دينية وعرقية، مما يطرح تهديداً خطيراً لاحتمالات العودة، إذ أن هذه المليشيات قد تيسر أعمال الانتقام وتغدو وقوداً للنزاع المتجدد.

يضاف إلى ما تقدم أن انقسام وعسكرة مختلف أقليات وجماعات نينوى يعود أيضاً إلى أزمة القيادة في العملية السياسية. ففي حين أن معظم القادة السياسيين في جاليات نينوى يتبعون أجندات مؤيدة لإربيل (كردية) أو موالية لبغداد (وسط العراق) أو دولية، فإن زعماء السنة يجدون صعوبة في تقديم بديل قوي لتنظيم داعش في الوسط السني. فالعديد من مسؤولي حزب البعث، الذين أخرجوا من السلطة منذ عام 2003، دعموا موجات الاحتجاج المناهضة لحكومة بغداد، وفي نهاية المطاف دعموا تنظيم داعش. وفي ضوء ذلك، تنادي بعض الأطراف المعنية بإعادة النظر في سياسة اجتثاث البعث باعتبار ذلك خطوة ضرورية لإحلال السلام والاستقرار في محافظة نينوى.

منذ العام الماضي، أصبح الدعم العسكري الدولي للبيشمركة في نضالهم ضد تنظيم داعش يعطي الأكراد ميزة في مناطق الحدود الداخلية المتنازعة، ويزيد الاستقطاب في هذه الظروف الحرجة. وتشير التقديرات والحقائق على الأرض إلى أن حكومة إقليم كردستان قد عززت مواقعها في نينوى في غياب تسوية رسمية لمشكلة المناطق المتنازعة. وعلى الرغم من أن أعداداً كبيرة من النازحين العرب الآتين من مختلف أنحاء العراق قد وجدوا ملاذاً آمناً في إقليم كردستان العراق، فإن النازحين السنة من محافظة نينوى يخشون من اتهامهم بمناصرة تنظيم داعش، كما ظهرت تقارير مقلقة من بعض المناطق التي حررتها قوات البشمركة من أيدي داعش، عن حالات تهجير للعرب السنة، وكذلك فإن الأكراد شكّلوا أغلبية النازحين العائدين إلى هذه المناطق. وإذا انتشرت هذه الحالات وباتت ظاهرة واسعة، فإنها قد تضر ضرراً شديداً بإمكانات العودة السلمية إلى نينوى.

وفقا للقانون الدولي الإنساني، فإن المدنيين يتمتعون ليس فقط بحق التماس السلامة في موقع آخر داخل بلدهم، بل لهم أيضاً الحق القانوني في حمايتهم ضد العودة القسرية أو التوطين في مناطق غير مواطنهم الأصلية. وفي حين أن تسوية قضية الحدود الداخلية المتنازعة يعدّ شرطاً ضرورياً لإعادة الاعمار السياسي والاجتماعي بعد إجلاء تنظيم داعش من المنطقة، فإن السلطات الجديدة في محافظة نينوى، وكذلك الوكالات الدولية المتدخلة ، يجب أن تتوخى العناية في إعداد البرامج الحساسة لطبيعة النزاع إن كان لها أن تسهم في إيجاد تسوية  بعد النزاع وعودة جميع النازحين داخلياً بشكل سلمي.

وتشعر مؤسسة PAX بقلق بالغ إزاء غياب استراتيجية بناء سلام شاملة لمواكبة العمليات العسكرية في العراق. إن نجاح وفعالية استراتيجية بناء السلام يستدعي التخطيط الذي يراعي الأجل الطويل ويستجيب للواقع على الأرض وللخصوصيات التاريخية في المنطقة. وفي حالة نينوى تحديداً، فإن عودة جميع جاليات النازحين بعد انتهاء النزاع ستكون ضرورية لإعادة بناء النسيج الاجتماعي وإرساء دعائم السلام والمصالحة.

التـوصيـات

إلى حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان ومحافظة نينوى:

في الأجل القصير

  • إطلاق رسائل علنية قوية برفض الانتقام على أيدي القوات المسلحة، والجماعات المسلحة المرتبطة بها، والحث على حماية جميع المدنيين وممتلكاتهم في المناطق التي يتم تحريرها من تنظيم داعش.
  • ضمان إعداد نظام للعدالة الانتقالية يتميز بالوضوح والفعالية ليتم تطبيقه على الأرض في المناطق المستعادة من تنظيم داعش بغرض منع القوى المسلحة غير التابعة للدولة و/أو الجماعات المسلحة المرتبطة بالحكومة، من أخذ العدالة بيدها، على أن يشمل ذلك النظام الملاحقة القانونية لمرتكبي الأعمال الانتقامية من تلك الجماعات.
  • ضمان حق العودة لجميع الجماعات النازحة في الفترة، بغض النظر عن خلفياتها السياسية أو العرقية أو الدينية، مع حماية أمن المدنيين الذين بقوا في المناطق الخاضعة لسيطرة تنظيم داعش.

في الأجل الطويل

  • الاتفاق على عملية تفاوض تشمل الجميع من أجل التوصل إلى حل بشأن الحدود الداخلية المتنازعة، بما في ذلك حق العودة لجميع الطوائف التي نزحت في السابق، بما يتفق مع المادة 140 من الدستور العراقي.
  • ضمان أن ترتيبات الحوكمة والأمن تشمل جميع الجماعات الدينية والعرقية في محافظة نينوى وفقاً للمادة 125 من الدستور العراقي.
  • بناء القدرات وتعزيز دور وسرعة الاستجابة سلطات المحافظة ومجلسها في نينوى، من خلال الاستثمار في الخدمات العامة وفرص العمل وإصلاح النظام الأمني. ويجب أن تشمل الإصلاحات الأمنية، على وجه الخصوص، وضع مدونة لقواعد السلوك وصلاحيات واضحة للشرطة المحلية والجيش.
  • بذل الجهود النشطة لتخطيط وتعزيز استراتيجية للموصل ما بعد داعش، مع التركيز على ترتيبات الحوكمة والأمن الشاملة للجميع، وإدماج النازحين، ونزع سلاح مختلف الجاليات والمجموعات المسلحة غير التابعة للدولة.
  • مراجعة وتعديل سياسات اجتثاث البعث لتسهيل دمج أعضاء حزب البعث السابقين ممن لم يرتكبوا الجرائم في المؤسسات الرسمية.

إلى بلدان التحالف الدولي لمكافحة تنظيم داعش (التحالف):

  • اشتراط أن تضع حكومة العراق وحكومة إقليم كردستان والقوات المسلحة المرتبطة بهما تدابير مجدية لمنع الأعمال الانتقامية بواسطة الجماعات المسلحة من خلال تطبيق الآليات الكفيلة بتسهيل تحقيق العدالة الانتقالية ودفع التعويضات.
  • مطالبة الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان بضمان حق العودة لجميع الجماعات الدينية والعرقية التي نزحت مؤخراً إلى المناطق المستعادة من تنظيم داعش، مع حماية أمن المدنيين الذين بقوا تحت سيطرة تنظيم داعش.
  • استخدام نفوذ التحالف من أجل إعادة الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، وجميع الأطراف المحلية المعنية، إلى طاولة المفاوضات للاتفاق على آلية تجد من خلالها الحكومتان حلاً لمشكلة الحدود الداخلية المتنازعة، ولا سيما في محافظة نينوى. وينبغي أن تكون هذه الآلية شاملة للجميع، وتضمن مشاركة المرأة وممثلين عن جميع الأقليات ذات الصلة وجاليات النازحين داخلياً في هذه المناطق.
  • الامتناع عن تسليح الجاليات أو الميليشيات على أساس ديني أو إثني حصراً.
  • تشجيع الحكومة العراقية على إعادة النظر في سياسات اجتثاث البعث وتسهيل إدماج أعضاء حزب البعث السابقين من غير مرتكبي الجرائم في المؤسسات الرسمية.

إلى مجموعة العمل “الاستقرار في إطار التحالف الدولي ضد تنظيم (داعش) الإرهابي”، برئاسة ألمانيا ودولة الإمارات العربية المتحدة:

  • وضع الخطط والتدابير الكفيلة بمنع عمليات الانتقام وتشجيع العودة الآمنة للنازحين إلى المناطق المستعادة من تنظيم داعش.
  • الاستثمار في (إعادة) إنشاء السلطات المحلية المشروعة والمتجاوبة في المناطق المستعادة من تنظيم داعش.

إلى الاتحاد الأوروبي:

  • تولي دور رائد في تحقيق نوايا استراتيجية الاتحاد الأوروبي الإقليمية لسوريا والعراق، مع التركيز على الترتيبات الشاملة للجميع فيما يتعلق بالحوكمة والأمن، وكذلك التركيز على المواطنة الشاملة.
  • استخدام النفوذ المالي والسياسي لضمان تنفيذ البرامج الإنسانية والتنموية في المناطق المستعادة من تنظيم داعش في العراق بحيث تكون حساسة مع تعقيدات النزاع، وتأخذ في الاعتبار مخاطر الأعمال الانتقامية، والجوانب المتعلقة بالمساواة بين الجنسين، والسياق العام لموجات النزوح المختلفة.
  • التنسيق مع بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (يونامي)، ووكالات الأمم المتحدة ذات الصلة، والتحالف الدولي، ولا سيما الفريق العامل المعني بتحقيق الاستقرار، من أجل وضع خطة شاملة لبناء السلام في محافظة نينوى.

إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة:

  • عندما يتم تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (يونامي)، تضاف إلى مهامها مهمة وضع خطط بناء سلام شاملة للجميع في المناطق والمحافظات الخاضعة حالياً لسيطرة تنظيم داعش، وتشجيع بعثة يونامي على إنجاز هذه المهمة بالتنسيق مع وكالات الأمم المتحدة ذات الصلة، وكذلك مع الاتحاد الأوروبي والتحالف وجميع الأطراف المعنية المحلية، بما في ذلك المجتمع المدني المحلي.

إلى بعثة الأمم المتحدة لتقديم المساعدة إلى العراق (يونامي) ووكالات الأمم المتحدة في العراق:

  • استخدام نفوذها السياسي على جميع المستويات لحث الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان على إقامة الحوار اللازم بشأن تسوية مشكلة الحدود الداخلية المتنازعة.
  • الاستثمار في جهود المصالحة على المستوى المحلي في محافظة نينوى وذلك باتباع نهج “من أسفل إلى أعلى”، بدلاً من التخطيط المركزي على المستوى الوطني، وذلك لضمان الفعالية والنتائج الناجحة على أرض الواقع.

إلى تركيا وإيران:

  • دعم الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان، والقوى المسلحة المتصلة بهما، في وضع تدابير مجدية لمنع الأعمال الانتقامية بواسطة الجماعات المسلحة من خلال تطبيق الآليات الكفيلة بتحقيق العدالة الانتقالية ودفع التعويضات؛
  • الامتناع عن تسليح الجاليات أو الميليشيات على أساس ديني أو إثني حصراً.
  • استخدام نفوذهما السياسي للضغط من أجل التوصل إلى تسوية بين الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان بشأن مشكلة الحدود الداخلية المتنازعة، ولا سيما في محافظة نينوى.

لقراءة التقرير الكامل، اضغط هنا