المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

قراءة عراقية في إتفاقية قانون إستخدام المجاري المائية الدولية في الاغراض غير الملاحية (٤)

إستكمالاً لما ورد في الجزء الثالث [3]

ويتخصص الباب الخامسبألاحوال الضارة وحالات الطوارئ، فتحكم المادة 27، تصرفات الدول مفردة أو مجتمعة في منع حدوث الأحوال الضارة والتخفيف من آثاره. فيما تتحدث المادة 28 عن حالات الطوارئ التي تكون لأسباب طبيعية، مثل الفيضانات أو إنهيار الجليد أو إنهيار التربة أو الزلازل. كذلك تلك التي تنتج عن سلوك بشري، مثل الحوادث الصناعية، وغيرها. يوضح هذا الباب تصرفات الدول في هذه الحالات.

ويتضمن الباب السادس  – أحكام متنوعة، فتشمل المادة 29 منه موضوع “المجاري المائية الدولية والإنشاءات وقت النزاع المسلح” فتؤكد على تمتع المجاري المائية الدولية، والإنشاءات والمرافق المتصلة بها، بالحماية التي تمنحها مبادئ القانون الدولي وقواعده الواجبة التطبيق في النزاع المسلح الدولي وغير الدولي. وتحرم المادة إستخدام هذه المجاري أو منشآتها بصورة تنطوي على إنتهاك لهذه المبادئ والقواعد.

ومنذ سيطرة داعش على الموصل وأجزاء من العراق وسوريا، تعرضت عدد من المنشآت المائية ومن بينها السدود الكبيرة لمخاطر جسيمة. من جهة بسبب إستخدام التنظيم المتطرف السدود والمياه كأدوات للحرب، ومن جهة أخرى بسبب وقوع هذه المنشآت في مناطق قصف ومعارك مباشرة. ويجدر التحرك سريعاً للتوعية حول ضرورة إبعاد المياه وبناها التحتية من النزاعات المسلحة والتنبيه بأن إستخدام هذه الانشاءات في الحروب قد يصنف جريمة حرب يعاقب عليها القانون الدولي.

وتفتح المادة 30 الباب أمام الإجراءات غير المباشرة، والتي يمكن للدول أن تلجأ لها في  الحالات التي توجد فيها عقبات جدية تعترض الاتصالات المباشرة بين دول المجرى المائي. اما المادة 31 فتتخصص بالبيانات والمعلومات الحيوية للدفاع أو الأمن القومي وحق الدول في تقديم المعلومات مع الاعتبار لدفاعها او أمنها القوميين.

وتنص المادة 32 على ضرورة عدم التمييز بين الاشخاص، طبيعيين كانوا او اعتباريين خصوصاً حينما يتعلق الامر بالمصابين بضرر ذي شأن عابر للحدود أو المهددين تهديداً شديداً بالإصابة بهذا الضرر.

 

أدوات إدارة النزاع بالطرق السلمية

ومن بين أهم المواد التي يتضمنها الباب السادس هي المادة ٣٣ المتخصصة بتسوية النزاعات بطريقة سلمية. وببساطة فإن هذه المادة المهمة تلخص سعي الاطراف التي تختلف على تفسير أو تطبيق هذه الاتفاقية، بثلاثة خطوات :

١المفاوضات المباشرة : حيث يقوم أحد الاطراف بطلب التفاوض مع الطرف الاخر

٢الوساطة والمساعي الحميدة : ففي حال عدم التوصل الى إتفاق من خلال التفاوض، يمكن الطلب من طرف ثالث : دولة او مؤسسة دولية على سبيل المثال التوسط للوصول الى حل مقبول من الطرفين

٣التحكيم : حيث يتفق الطرفان على عرض خلافهما على جهة متخصصة للتحكيم، كأن يتم عرض الخلاف على محكمة العدل الدولية.

من غير السليم أن نقول أن هذه الادوات لم تنجح في حالة الخلاف حول سد اليسو، الأسلم والاصح أن نقول بأن حكومات العراق المتعاقبة فشلت في إستخدام هذه الادوات. فهنالك وثائق قليلة ونادرة حول مفاوضات عراقية مع تركيا حول شرعية بناء سد اليسو والتزام تركيا بمبادئ القانون الدولي وخصوصاً تلك الواردة في هذه الاتفاقية والتي تمثل عرفاً دولياً.  ومن المهم أن أكرر هنا أن حكومة العراق تردد دوما إنها تتفاوض او تريد التفاوض مع جارتها تركيا حول “حصص عادلة” وهذا ما يزيد من موقف العراق ضعفاً على ضعف. ففي هذه الحالة فإن موضوع التفاوض الذي تطرحهة حكومة العراق ليس بناء سد اليسو او غيره من السدود بل مناسيب المياه. العراق وبإختصار لا يعرض موقفه بشكل يستند على المبادئ الدولية المهمة التي وردت في هذه الاتفاقية.

كذلك ليس هنالك دلائل على أن العراق تحرك لوساطة أو مساعٍ حميدة لإقناع تركيا بالتوقف عن بناء سد اليسو او التشارو مع العراق حوله. وتبدو رسالة وزير الخارجية العراقي السابق هوشيار زيباري الى ممثلة الاتحاد الاوربي[1] ومرفقاتها المحاولة ربما الوحيدة بهذا الخصوص.

وحول التحكيم ينطبق ما أسلفناه، لم يبذل جهدٍ كافٍ، خصوصاً وأن هذه الحلول والخطوات تراتبية، أي تُعتمد واحدة بعد الاخرى. بطبيعة الحال من المستبعد أن تقبل تركيا عرض الموضوع على محكمة العدل الدولية- هذا لو فرضنا أن العراق قد حاول أصلًا.

 فمن خصائص محكمة العدل الدولية انها لاتنظر في نزاع ما بدون ان يقبل الطرفين بعرض النزاع عليها.

لكن ذلك لا يعني ان على البلدان المتضررة عدم المحاولة، على العكس، خصوصاً وان العرف جرى على أن من يرفض التحكيم، يقبل بحكم الامر الواقع، ضعف موقفه القانوني ضمناً. فلو كانت تركيا تعلم أن بناء سد اليسو غير مخالف للقانون الدولي لقبلت تحكيم محكمة العدل الدولية حول شرعية بناء هذا السد دون إستشاره العراق ودون دراسة الآثار التي ستترتب عليه.

لذلك الحكومات تبادر بعرض التحكيم بكل الاحوال، فالقبول له فرصة، والرفض إن حصل سيتسبب بحرج كبير وضغط دولي على الدول التي تتهرب من عرض خلافاتها خصوصا الخطيرة منها على المحكمة المتخصصة.  ولأهمية التحكيم خصصت الاتفاقية تذييل خاص (ملحق) متخصص به ومكون من أربعة عشر مادة توضح آلية تعيين المحكمين وطريقة عملهم[2].

ولا تتوقف المادة ٣٣ عند هذا الحد بل تحدد آلية بديلة (في حال لم تتمكن الأطراف المعنية بعد ستة أشهر من وقت طلب المفاوضات المشار إليها سابقاً، من تسوية نزاعها عن طريق التفاوض أو الوساطة او التحكيم المشار إليها أعلاه) تتمثل بعرض النزاع، بناءً على طلب أي طرف في النزاع، على لجنة محايدة لتقصي الحقائق.

اما الباب السابع والاخير من الاتفاقية فيشمل الأحكام  الختامية،  فالمادة 34 تشمل احكام التوقيع على الاتفاقية، و المادة 35 تختص بموضوع  التصديق أو القبول أو الموافقة أو الانضمام، اما المادة 36 فتحدد بدء النفاذ بينما تحدد المادة 37 النصوص الرسمية الأصلية لهذه الاتفاقية، وتحدد إعتبار نصوصها الاسبانية والإنكليزية والروسية والصينية والعربية والفرنسية متساوية الحجية، لدى الأمين العام للأمم المتحدة.

[1] نص الرسالة والمداولات الرسمية ستنشر قريبا ضمن كتاب وباللغة العربية عن موضوع الاتفاقية وموقف العراق من سد اليسو

[2] راجع الملحق الخاص بالتحكيم