حوار مع “شباب الصمود” في مسافر يطا: بين النشاط النضالي، الحياة اليومية، وقانون الإعدام
بقلم: عائشة بنت بلخير
في مسافر يطا والقرى المحيطة بها في تلال جنوب الخليل، هناك مجموعة من الناشطين الشباب تعرف باسم “شباب الصمود” تعمل على المحافظة على التواجد في الأراضي الفلسطينية في المنطقة (ج) في الضفة الغربية حيث يضطر الفلسطيني للعيش تحت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي الكاملة. حيث تعاني هذه الأراضي من عنف المستوطنين والتشريد القسري. تحدثت قبل بضعة أيام مع أحد أعضاء هذه المنظمة التي بُنِيت حركتها على أساس المقاومة اللاعنفية.
أديب هريني، ٢٦ عاما ناشط فلسطيني من قرية الطواني في فلسطين وهو ناشط أيضاً في حركة “شباب الصمود” التي هي حركة شعبية تهدف إلى الوقوف في “الخطوط الأمامية لمقاومة العنف الإسرائيلي ومحاولة إزالة السكان الأصليين”[1]. يتمتع أديب بخلفية جيد في مجال القانون الدولي، لذا فهو يجمع بين الوعي القانوني والنشاط الميداني في سياق حسّاس ومتغير باستمرار.
خلال حوارنا، شرح أديب الواقع اليومي الذي يواجهه المجتمع الفلسطيني في هذه القرى. ناقشنا أيضا آخر قانون لعقوبة الإعدام الذي أقرته إسرائيل بخصوص تنفيذ حكم الإعدام بحق كلفة الأسرى الفلسطينين، الذي قد يزيد من صعوبة ظروف المعيشة. ورغم أن القانون لم يُنفذ بالكامل بعد، فإنّ تأثيره المحتمل ملموس بالفعل، لا سيما بالنسبة للناشطين الذين قد يصبح عملهم أكثر عرضة للمخاطر. ويشكل هذا الواقع الميدني سياقاً مهماً لفهم كيفية إدراك على أرض الواقع.
أنشئت منظمة “شباب الصمود” في ١٩ أيار ٢٠١٧ عندما قررت مجموعة من الشباب الفلسطينيين العودة إلى قرية سرورة التي كانت على وشك أن تصادرها المستوطنات. يتذكر أديب بداية الحركة قائلاً: “بدأنا بخطوات بسيطة وعزيمة قوية”، بينما يذكر أهدافها: استعادة الأرض، وتأسيس وجود دائم لمنع أي مصادرة أخرى وإعادة بناء البيوت “لإعادة الحياة في القرية”. تستند منظمة “شباب الصمود” في المقاومة السلمية وما تصفه “كحماية بالحضور”. عملياً، هذا يعني مرافقة الرّْعاة وهم يرعون أغنامهم بالقرب من الاستيطان، ومرافقة العائلات المهددة ومرافقة الأطفال في ذهابهم إلى المدرسة لأنهم غالباً يمرون بمناطق يكثر فيها عنف المستوطن الإسرائيلي. منذ عام ٢٠١٧ توسعت منظمة “شباب الصمود” وامتدت أنشطتها إلى عدة أحياء في جميع أرجاء المنطقة (ج) في الضفة الغربية.
في مسافر يطا، يُعد وجود منظمة “شباب الصمود” مهماً للغاية ويدرك أديب ما حدث في قرية “خلة الضبع” التي تعرضت لهدم مكثف في إحدى المرّات وتركت العائلات بلا مأوى وكانت المساكن المؤقتة مثل الكهوف أو البيوت المتنقلة تُستهدف باستمرار من قِبل المُستوطنين، أو حتى تُهدم أحياناً. خلال تلك الفترة الحرجة والعنيفة، قرر نشطاء “شباب الصمود” أن يبقوا بجانب السكان المحلين حيت شجعوا العائلات على البقاء في القرية على الرغم من الضغوط المتزايدة. وغالبًا يتجسد هذا التشجيع في تقديم الطعام وأشكال أخرى من الدعم. كما تنسق منظمة «شباب صمود» ناشطين دوليين يأتون «لحماية» سكان المنطقة بمجرد تواجدهم هناك.
بعد ذلك، أصدرت المحكمة في النهاية قراراً يطالب المستوطنين بمغادرة المنطقة، وكان ذلك بمثابة نصراً للمنطقة. إضافة إلى هذه «الحماية من خلال التواجد»، تنخرط منظمة «شباب صمود» أيضًا في أنشطة الدعوة خارج الضفة الغربية، وتعمل بالتعاون مع نشطاء إسرائيليين، بمن فيهم محامون، للضغط على المحاكم الإسرائيلية، الأمر الذي يؤدي أحيانًا إلى انتصارات صغيرة لكنها مهمة. ومع ذلك، تعمل” شباب الصمود” في بيئة شديدة العداء في الوقت الحالي. يقول أديب:” لقد تغير الوضع تمامًا منذ أكتوبر ٢٠٢٣“. فهو يصف الواقع القاسي المليء بالعنف المتزايد، والذي يشمل هجمات غير منقطعة النظير ليلاً نهارأ، والهجمات الجسدية والشفهية المستمرة، وإطلاق النار، وحالات حرق البيوت والأراضي ومواشي المزارعين المتزايدة. في هذا السياق، تتسم جميع أوجه الحياة اليومية لسكان هذه القرى بانعدام الأمن.
خلال حوارنا، صدمني مستوى الهمجية والعنف الذي يتعرض له الفلسطينيون من قبل المستوطنون الذين لا يميزون بين الرجال والنساء، ولا بين كبار السن وغير كبار السن، ولا بين البالغين والأطفال، ولا حتى الرضع“، يقول بينما يروي هجوماً وقع في إحدى ليالي العام الماضي، وأسفر عن إصابة أكثر من 20 شخصاً. وكان من بينهم طفلة تبلغ من العمر شهرين رُشّت عيناها بغاز الفلفل الحر. وفي تلك الليلة، اعتُدي أيضاً بشكل وحشي على اثنين من كبار السن.
وبهذا السياق، لا يُعد قانون عقوبة الإعدام تطوراً قانونياً مجرداً، بل جزءاً من نظام فصل عنصري أوسع نطاقاً يمكن أن يؤدي إلى تعميق مخاطر الحياة اليومية. بعد عدة مناقشات أجريت في الكنيست بعد حرب 7 أكتوبر، استعاد القانون مجدداً أهميته واكتسب دفعة جديدة. وعلى الرغم من أن القانون لم يُطبق بالكامل إلى الآن، فإن منظمات حقوق الإنسان تدق ناقوس الخطر من أجل حشد ضغط دولي لمنع اعتماده. سيسمح هذا القانون للسلطات القضائية بإصدار أحكام بالإعدام في حالات معينة، لاسيما تلك التي تعتبر أعمال إرهابية. يحذر المنتقدون أن هذا القانون قد يعزز النظام الذي يعاني منه الفلسطينيون أصلاً.
وفقاً لمنظمة ”هيومن رايتس ووتش“، يعتبر هذا القانون” تمييزاً“، ومن المرجح أن يُطبق” بشكل أساسي، إن لم يكن حصرياً، على الفلسطينيين“[2]. إضافة إلى المخاوف المتعلقة بضمانات إجراء محاكمات عادلة، سيكون هذا القانون جزءاً لنظام الفصل العنصري الأوسع الذي يحكم الفلسطينيين. حالياً، يخضع الفلسطينيون لقانون عسكري، أما الإسرائيليون فهم يخضعون لقانون مدني. عملياً، ينتج عن ذلك وضع يتم فيه تطبيق نظامين منفصلين في نفس الإقليم: حيث يُحاكم الفلسطينيون أمام محاكم عسكرية بإجراءات صارمة وحماية قانونية أقل، في حين يُحاكم الإسرائيليون أمام محاكم مدنية ويتمتعون بحقوق قانونية أوسع. علاوة على ذلك، هنالك عدد كبير من الفلسطينيين محتجزين في السجون الإسرائيلية (حوالي ٩٢٠٠[3]). يعيش الكثيرون منهم في ظروف غير إنسانية، حيث يخضع ما يقرب من نصفهم للاعتقال الإداري يعني دون تهمة أو محاكمة دون أن يتاح لهم الحصول على حماية قانونية[4]. وفي هذا السياق، توثق منظمة ”بتسليم“ أيضًا ”عنفًا غير مسبوق ومتطرف “يستهدف الفلسطينيين منذ أكتوبر ٢٠٢٣ سواء في الضفة الغربية أو غزة، وذلك في تقريرها المعنون” إبادتنا الجماعية“[5].
بالنسبة لأديب، يمثل هذا التطور القانوني استمراراً لما يلاحظه فعلياً على أرض الواقع. ويشدد أديب أنه سيعطي المستوطنين حرية مطلقة وسيضفي الشرعية على الإفلات من العقاب الذي يتمتعون بها أصلاً. كما يرى أن «الهدف من هذا القانون هو أن يطبق على الفلسطينيين فقط»، لأنه يزيد من حجم الاضطهاد الممارس أصلاً، كما يضيف مستوى آخر من التعذيب النفسي. لتوضيح ما قد يعنيه هذا القانون عملياً، يستحضر حالة السجناء المعتقلين: «لا أستطيع إلا أن أتصور حالة الأسير الذي سُجن لسنوات طويلة، ينتظر يوم الحرية، ليجد بدلاً من الحرية حبلاً مربوطاً حول عنقه». ويبرز هذا المشهد الذي يصفه مدى الخوف والقلق الذي قد يسببه قانون كهذا.
عندما سُئِل أديب عن تأثير هذا القانون على الناشطين في الميدان، أجاب دون تردد: ”هذا القانون سيغير كل شيء بالنسبة للناشطين ولجميع الفلسطينيين“. وهو يشرح كيف يمكن أن يسمح هذا القانون للمستوطنين بتبرير العنف بسهولة أكبر، بحجة الدفاع عن أنفسهم وحتى في غياب أي تهديد حقيقي.” يمكن للمستوطن أن يدعي ببساطة أنه شعر بالخطر” كما يضيف، مشيراً بذلك إلى نظام يتم فيه تجاهل الأصوات الفلسطينية في أغلب الحالات، إن لم يكن دائماً. وبالتالي، يخشى الناشطون مثله التعرض بشكل متزايد للعنف التعسفي الذي قد يكلفهم حياتهم. بهذا المعنى، يخاطر القانون بأن يصبح أداة إضافية تؤدي إلى تصعيد العنف بشكل متزايد. بالنسبة لأديب، هذه المخاطر ليست مجردة، فهي ستكون جزءاً من الحياة اليومية. علاوة على زيادة العنف المباشر، يشرح أديب أن” كونك عربياً يعنى أنه ليس مسموحاً لك بالعيش”، مشيراً إلى شعور مستمر من الضعف لأن القانون سيُطبق في ظل واقع شديد التقييد بالفعل، يصعب فيه أكثر فأكثر الحصول على الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والوصول إلى العمل، التي تساعد على إضفاء قدر من الاستقرار، أو الحفاظ عليها.
يقول أديب إن الفرص المتاحة للفلسطينيين للعمل أصبحت شبه مستحيلة منذ أكتوبر ٢٠٢٣. حتى أولئك الذين تمكنوا من إيجاد عمل يتعرضون لمخاطر جسيمة، بما فيها الاعتقال عند عبور الحدود إلى «أراضي عام ١٩٤٨» كما يصفها (يعني إسرائيل). وهكذا، يتعرضون للعنف على يد المستوطنين أثناء ذهابهم إلى العمل فحسب. يروي أديب حكاية مأساوية عن يسري أبو قبيطة الذي أطلق عليه مستوطن النار بوحشية وهو يقود سيارته، وأدى ذلك إلى موته. في هذا السياق، يظهر القانون كأداة إضافية للاضطهاد تزيد من سوء بيئة لا يُضمن فيها الأمان أبداً.
عندما سُئل عما إذا كان يرغب في توجيه رسالة إلى القراء، ابتعد أديب عن الأبعاد القانونية والسياسية وقرر أن يشارك القراء بما يلي: «في الختام، نحن لا نتحدث فقط عن قانون أو مجموعة من الشباب، بل عن واقع معيشي. من خربة سرورة، حيث نسعى جاهدين لإعادة الحياة إلى أرض مشردة، وإلى القوانين التي تهدد حياة الإنسان، تظل حقيقة واحدة قائمة: الكرامة والعدالة ليستا اختياريين: بل هما حق. في منظمة “شباب الصمود”، نؤمن بأن الصمود لا يتعلق بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل بالدفاع عن الحياة والحقوق والمستقبل. على الرغم من كل التحديات، سنظل ملتزمين بأرضنا وإنسانيتنا وإيماننا بأن العدالة ستسود.”
كلماته تجسد حقيقة أوسع نطاقاً، وهي أنه على الرغم من العنف المتزايد، فإن استمرار الحياة ذاتها والوجود يصبح شكلاً من أشكال المقاومة.
[2] هيومن رايتس ووتش. (2026). إسرائيل: إقرار مشروع قانون عقوبة الإعدام التمييزي.
[3] مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان. (2026). تقرير المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 (A/HRC/61/71). الأمم المتحدة.
[4] بتسيلم. (2026، يناير). جحيم حي: نظام السجون الإسرائيلي كشبكة من معسكرات التعذيب.
[5] بتسيلم. (2025، يوليو). إبادة جماعية لنا.