المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

ذكرى إغتيال احمد الربيعي وكرامة وطن

عدي حاتم

مرت الذكرى الاولى لاغتيال رسام الكاريكاتير الزميل احمد الربيعي بصمت ، تماما مثل حادثة  اغتياله ومن قبلها حملة التهديد والتحريض التي قادها نواب في البرلمان العراقي ، قابله صمت ولا مبالاة وربما تواطئ من قبل الحكومة العراقية واجهزتها الامنية .

 احمد الربيعي

قضية احمد الربيعي لاتشابه قضايا قتل وإغتيال الصحفيين ، فهو لم يُقتل لانه انتقد او سخر من اي شخصية سياسية او دينية عراقية بل ان  أوامر قتله جاءت من خارج الحدود ومن دولة تسعى جاهدة منذ عقود لفرض نموذجها الدكتاتوري وايديولوجيتها الدينية المبنية على الطائفية المذهبية، تريد فرضها على من يجاورها وعلى العراق بشكل خاص.

وعلى الرغم من ان المغدور لم يسئ حتى للولي الفقيه الايراني علي خامنئي ، والبورتريه الذي دفع حياته ثمنا لرسمه ، لايتعدى  كونه ممارسة تقاليد صحفية تتمثل في مصاحبة التغطيات الخاصة لرسومات كاريكاتيرية ، إلا إن إيران وأذرعها في العراق ، رأت في الرسم  كسرا لتابواتها وعليها ان تواجه قلم الفنان والوانه بكل ماتمتلك من قوة وبطش ووحشية وإجرام  حتى لايتجرأ احد  بعده على تجاوز خطوطها الحمر .

unnamed

ومن المفارقات ان يكون نواب يقتضي عملهم تمثيل شعبهم ويفرض عليهم الدستور العراقي والقسم البرلماني حماية الديمقراطية والدفاع عن حرية التعبير ، الا إن هؤلاء النواب خانوا الامانة وحنثوا باليمين بقيادتهم لمليشيات مسلحة تجوب شوارع بغداد بحثا عن احمد الربيعي وتتوعده وأهله وكادر صحيفة “الصباح الجديد “بالقتل والتصفية .

هذه الحالة لاتحدث الا في العراق ، البلد الذي اجتمعت فيه  كل النقائض والعجائب منذ عام 2003 ، فلا غرابة ان نجد نائبا يهدد صحفيا بالقتل ومثل هذا المشهد تكرر كثيرا من دون ان تقف عنده المنظمات المحلية او الدولية ولا حتى رئاسة البرلمان التي كان من المفترض ان تعاقب النائب برفع الحصانة والفصل ومن ثم احالته الى المحكمة الجنائية ليعاقب وفق القانون العراقي الذي يجرم التحريض على القتل .

لكن حتى في الحالة العراقية كان مشهد النائبان  قاسم الاعرجي (رئيس كتلة منظمة بدر ) ، والشيخ عدنان الشحماني (احد قادة ميليشيا عصائب الحق) ، وهما يهددان المغدور الربيعي ويحرضان على قتله مع كادر الصحيفة لنشرها الكاريكاتير، يمثل كوميديا سوداء وحالة غير مسبوقة  تعكس استهانة النائبين بحياة مواطنيهم وكرامة وطنهم ، كما يمثل إستخفافا بشعبهم وبسيادة بلادهم ، لاسيما وان السفير الايراني في بغداد  حسن دنائي فر ، كان هو من يوجههم ويصدر لهم الأوامر وهذا معلن وغير خفي .

النائب قاسم الاعرجي يطالب بقتل احمد الربيعي

حاولت جاهدا ثني الراحل احمد الربيعي من الذهاب الى اربيل لاني اعرف ان فوضى بغداد تمنح مخبأ أكثر أمنا من اربيل التي ترتبط اجهزتها الامنية بشكل كامل تقريبا بالمنظومة الامنية الايرانية ، وبالتالي يسهل تحديد موقعه وصيده وإغتياله بذات الطريقة التي تغتال فيها ايران معارضيها ،  ومن لا يَعرِف طرق اجهزة ايران الامنية في الإغتيال واحترافها في مسح معالم الجريمة وعدم ترك اي اثر؟!.

 وكما جرب تلك الطرق الشعب الايراني جربنها وخبرناها  نحن في العراق خلال العقد الماضي حتى اصبح هناك مثلا شعبيا عراقيا يقول( للولي الفقيه جنود من عسل ) .

قد يرد البعض بالقول : إن احمد الربيعي مات بسبب الالتهاب الرئوي مثلما ذكر تقرير المستشفى في اربيل ،  وليس بسبب السم أو طلقة كاتم، فلماذا اتهام إيران ومليشياتها؟!! .

وهنا ليس مهما طريقة الإغتيال  سوى كانت بالسم او بمنع العلاج عنه  أو بإرهابه وإرعابه ومطاردته الامر الذي منعه من متابعة وضعه الصحي  ما  ادى الى تفاقمه وتدهوره  ومن ثم الى وفاته ، فاختلاف الطريقة لايعفي قتلته من المسؤولية ، كما إن تحريض ايران على قتل الربيعي من خلال سفارتها في بغداد ومليشياتها واجهزتها الخاصة المنتشرة في كل انحاء البلاد كان معلنا ويعكس حالة الاستهتار الايراني بسيادة العراق وبالقوانين والشرائع الدولية.

 في يوم استشهاد الزميل احمد الربيعي ، طالبت بان لاننساه ليس من اجله بل من اجل الحفاظ على ارواحنا وحريتنا وكرامتنا التي أهدرت بمقتله على يد جهات خارجية تريد فرض دكتاتوريتها علينا ، وحذرت من ان صمتنا سيشجعهم على المزيد .

 واليوم وبعد اكثر من عام نسينا الربيعي كما نسينا من قبله ، وتعاملنا مع قوافل شهداء الصحافة بالكثير من الصمت والسلبية واللامبالاة ، وكانت النتيجة هي استخفاف الحكومات المتعاقبة بالدماء الصحفية  ليسجل العراق اعلى معدلات الإفلات من العقاب وعدم ملاحقة الجناة .

ولن يتوقف نزيف الدم الصحفي حتى يعرف البعض ان الصمت لايحمي حياته ولا يجعله مستثنى من الاستهداف ، بل ان الصوت العالي والضغط المستمر هو الذي يجعل الجماعات المسلحة ، تحسب الف حساب قبل استهداف اي صحفي ، كما انه يجبر الحكومة وأجهزتها الأمنية على ملاحقة تلك الجماعات وتقديمهم للعدالة ما يقلل الى حد كبير عمليات إغتيال وقتل الصحفيين.

ولعل من المناسب في الذكرى السنوية الأولى لإغتيال احمد الربيعي ان تقوم المنظمات الصحفية ووسائل الاعلام العراقية وجميع الصحفيين بحملة ضغط للمطالبة بالكشف عن ملابسات وفاة الربيعي ومحاسبة المحرضين على قتله والجهات التي استهدفت صحيفة “الصباح الجديد” وهي معروفة لانها اعلنت عن نفسها بل وافتخرت بما قامت به .

كما ان المطالبة ستضع مصداقية  الدورة البرلمانية الحالية ، والرؤساء الثلاثة ( رئيس الجمهورية فؤاد معصوم ورئيس الوزراء حيدر العبادي ورئيس البرلمان سليم الجبوري ) أمام اختبار حقيقي لاسيما في ما يتعلق بالوعود التي أطلقوها في حماية حرية التعبير واحترام القانون وتطبيقه وجعل الكلمة العليا له .

اي مصيبة اكبر من ان  تُلاحق في وطنك من قبل غرباء حاقدين، واي خزي أعظم من يقتلك الاخرون على تراب وطنك ولايحرك احد ساكنا لحمايتك او للدفاع عنك … إغتيال احمد الربيعي سيبقى جرحا غائرا في الكرامة الوطنية حتى تحقيق العدالة .