المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

متى يكون الفعل الجنائي جريمة إبادة جماعية؟ الإيزيديون نموذجاً

ورقة معدة ضمن مشاركة المنتدى الاجتماعي العراقي في المنتدى الاجتماعي العالمي – تونس 2015

هادي عزيز علي*

Loyalty-to-Sinjar

المحكمة الجنائية الدولية هي مؤسسة دولية استغرق العمل للوصول إلى صيغتها الحالية مدة تزيد على النصف قرن، مستندة إلى التراث الدولي المتعلق بالمسؤولية الجزائية وعبر الأمم المتحدة في اتفاقية منع ومعاقبة جريمة الإبادة الجماعية 1948 ومبادئ القانون الدولي التي اعترفت بها محكمة نورمبرغ 1950، لغاية اقرارها في نهاية المؤتمر الدبلوماسي الذي عقد في مدينة روما في 17 / تموز/ 1998، ومنها اتخذت الاسم المتداول اعلامياً (نظام روما).

جاء النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية بديباجة و(128) مادة موزعة على عدة أبواب، أما الجرائم التي تدخل ضمن اختصاصها فهي:

  1. جريمة الإبادة الجماعية: المادة 6 من النظام.
  2. الجرائم ضد الانسانية: المادة 7 من النظام.
  3. جرائم الحرب: المادة 8 من النظام.
  4. جرائم العدوان: المادة 5 / د من النظام. والجريمة الأخيرة ذات إشكال في التطبيق لعدم الاتفاق على تعريف للعدوان، فهناك تعارض بين الولايات المتحدة الأمريكية والمجموعة الأوروبية من جهة، وما يسمى بالدول النامية ومن ضمنها الدول العربية من جهة أخرى، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة الأمريكية وباقي الدول الأعضاء دائمة العضوية في مجلس الأمن إلى القول بأن عدم وجود تعريف للعدوان لا يحول دون استعمال مجلس الأمن صلاحياته المقررة على وفق أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

جريمة الإبادة الجماعية – عرّفت الاتفاقية هذه الجريمة في المادة 6 بأنها: (أي فعل من الأفعال التالية يرتكب بقصد اهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية بصفتها هذه، اهلاكاً كلياً أو جزئياً:
(أ) – قتل أفراد الجماعة، (ب) – إلحاق ضرر جسدي أو عقلي بأفراد الجماعة، (ج) – إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشة يُقصد بها هلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً. (د) – فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة، ( هـ) – نقل أطفال الجماعة عنوة. لذا سوف نشرح باختصار اركان جريمة الإبادة الجماعية، وكالآتي:
الركن المادي للجريمة: يُقال ان الركن المادي للجريمة هو السلوك المادي الخارجي الذي ينص القانون على كونه جريمة وهو ما تدركه الحواس، عليه لا يعتبر من قبيل الركن المادي ما يدور في الأذهان من أفكار أو رغبات طالما لم تظهر إلى العالم المحسوس. ويُقال أيضاً: هو تحقق اعتداء الفاعل على مصلحة يحميها القانون. وفعل الاعتداء يتحقق بصورتين: الأولى – الفعل الإيجابي، وهو أن يأتي الفاعل بعملٍ أمر القانون بالنهي عنه، أو في الصورة الثانية – فهي الفعل السلبي، وهو الامتناع عن فعلٍ يفرضه القانون. والركن المادي يتكون من عناصر ثلاثة:

  1. السلوك الاجرامي،
  2. النتيجة الجرمية،
  3. العلاقة السببية بين السلوك والنتيجة.

الركن المعنوي للجريمة: هوالنية الآثمة المنصرفة إلى احداث النتيجة الجرمية من خلال قوة كامنة في النفس مضمونها الادراك وحرية الاختيار، ويُعرف قانوناً: هو (القصد الجرمي توجيه الفاعل ارادته إلى ارتكاب الفعل المكون للجريمة هادفاً إلى نتيجة الجريمة التي وقعت أو أية نتيجة جرمية أخرى) المادة 33 من قانون العقوبات العراقي، وتكاد تشترك الغالب من قوانين العالم العقابية في هذا التعريف. ويُلاحظ ان الركن المعنوي الوارد في المادة 30 من اتفاقية روما لا يختلف عما أوردته النظم العقابية العالمية، إذ أنها تشترك في توجيه إرادة الفاعل إلى تحقيق النتيجة الجرمية من خلال الأفعال المرتكبة المؤدية إلى حصولها بوعي وادراك واختيار، ولذلك قال شُراح قانون العقوبات بأن الركن المعنوي هو ركن المسؤولية الجزائية.

مبدأ لا جريمة إلا بنصّ: ومفاده ان أي فعل مهما كان مؤذياً أو مهما ارتفعت فيه درجة الضرر لا يُعد جريمة معاقباً عليها ما لم يوجد نص قانوني يعتبره جريمة، أي ان الأفعال المسببة للضرر تعتبر مباحة ما لم يوجد نص يُجرمها، لذا فان اتفاقية روما اعتبرت جريمة الإبادة الجماعية متحققة في الصور الخمس المدرجة في أدناه.
الصورة الأولى – قتل أفراد الجماعة: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة إذا كان الفاعل قد ارتكب فعل قتل شخص واحد أو أكثر شرط أن يكون القتيل أو القتلى منتمين إلى جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية معينة، وأن يتم القتل مع القصد الجنائي المتمثل في انصراف إرادة الجاني إلى اهلاك الجماعة المذكورة بالانتماءات المذكورة أعلاه، ويتم الفعل من قبل الفاعل عمداً وليس خطأً. ويتضح من نص هذه الصورة ان الركن المادي للجريمة يتحقق ولو أدى السلوك الاجرامي إلى قتل شخص واحد فقط، ما دامت النية الآثمة قد انصرفت إلى القتل المتعدد للجماعة تلك وبوصفها المذكور أعلاه.

الصورة الثانية – إلحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة: أن يؤدي الفعل المرتكب إلى احداث ضرر بشخص أو عدة أشخاص، والضرر قد يكون على شكل أذى بالجسم أو ما يسمى بالضرر المادي، أو أن يكون ضرراً معنوياً جسيماً. ويشترط هنا أن يكون الضرر الموصوف أعلاه شاملاً للشخص أو الأشخاص المنتمين إلى جماعة قومية أو اثنية أو عرقية أو دينية معينة، مصحوباً بالقصد الجرمي النازع نحو اهلاك الجماعة بالوصف المذكور أعلاه، ويُعتبر استعمال القسوة والاغتصاب صوراً من صور الضرر المادي. أما الضرر المعنوي فيتحقق عن طريق الشتم أو الاستهزاء بالمعتقد أو الدين أو الإهانة.

الصورة الثالثة – إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشة يُقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً: أن يقوم الفاعل بفرض نمطٍ معين من الغذاء يؤدي بالنتيجة إلى الهلاك الكلي أو الجزئي، كأن يكون الغذاء وجبة واحدة من مياهٍ غير صحية مع فتات كسر الخبز، مصحوباً بحجب الخدمة الطبية، وأن يتم هذا النمط على شخصٍ واحد أو أكثر، مشروطاً بكون الضحايا من الجماعة بالانتماءات ذاتها المذكورة بالفقرات أعلاه، وأن ينصرف القصد الجرمي للفاعل إلى هلاك الجماعة عن طريق الأحوال المعيشية، وأن يحدث هذا القصد النتيجة الجرمية المقصودة وهي الهلاك.

الصورة الرابعة – فرض تدابير تستهدف منع الإنجاب داخل الجماعة: يتحقق الركن المادي لهذه الجريمة إذا وقع الفعل على شخص واحد أو أكثر ينتمون إلى جماعة بذات الانتماءات المذكورة في الصور السابقة، مع النية والسلوك المسبق اعتماده لإهلاك الجماعة عن طريق عدم الإنجاب بهذه الوسيلة بسبب انتماءاتهم تلك، وأن يكون الفعل مؤدياً فعلاً إلى عدم الإنجاب.

ملاحظة – احتجت الهند والصين على هذه المادة بسبب تنظيم النسل لديهم، فتم الاتفاق على ان التنظيم المذكور من قبل الدول لا يشكل جريمة إبادة جماعية.

الصورة الخامسة نقل أطفال الجماعة عنوة: أن يؤدي الفعل إلى نقل طفل أو أكثر قسراً، وأن يكون ذلك الطفل أو الأطفال بذات الانتماءات المذكورة في الصور أعلاه، وأن تكون النتيجة التي يتوخاها الفاعل هلاك الجماعة تلك، على أن يتم النقل إلى جماعة أخرى، بشرط أن تكون أعمار هؤلاء دون الثامنة عشرة، والفاعل يعلم بهذا السن أو المفترض أن يعلم به، ويتم الفعل ضمن سلوكٍ مسبق.

هذه الصور التي اعتمدتها المادة 6 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإذا تحققت على وفق الوصف أعلاه كانت الجريمة جريمة إبادة جماعية. عند تطبيق ما ذكر أعلاه على الإيزيديين نجد أن أبناء هذا المكوّن قد تعرضوا للقتل فعلاً وحسبما هو ثابت بالتقارير الدولية والوطنية، مع وجود الاصرار المسبق على القتل، وذلك من خلال نمط سلوك مقصود موجه ضد أبناء هذا المكوّن، وبذلك تنطبق الصورة الأولى لهذه الجريمة.
أما الصورة الثانية، فقد تحققت من خلال الأذى الجسدي الذي تعرض له الإيزيديون من تعذيبٍ مقصود، ولعل واحدة من صور الأذى تلك هو اغتصاب النساء الإيزيديات واستعمال العنف الجنسي ضدهن، وأضحت مشكلة قائمة موضوع النساء الحوامل جراء الفعل المذكور ومصير الأجنة، والموقف القانوني من المواليد بعدئذ، يضاف إلى ذلك الأذى المعنوي جراء بيع النساء في سوق النخاسة امعاناً في اذلالهن والحط من كرامتهن، وتلك الأفعال وُثقت في العديد من المؤتمرات والندوات وسواها من سبل التوثيق الأخرى.

الصورة الثالثة المتمثلة باحتجاز الإيزيديين في جبل سنجار على وفق ظروف القصد منها الاهلاك الكلي أو الجزئي لهذا المكوّن، والطريقة المذلة في اطعامهم ومنع الخدمة الطبية عنهم، وفرض شروط عيش تتجلى في حرمانهم من المواد الأساسية للبقاء، أدت فعلاً إلى هلاك العديد منهم، وحسبما موثق ذلك لدى الجهات العراقية والأمم المتحدة أيضاً.

والصورة التالية تجسدت في فصل الأطفال عن ذويهم ممن هم دون سن الثامنة عشرة قسراً ونقلهم إلى مكانٍ آخر يجهله الأطفال وذووهم، وقد اقترن هذا الفعل بالارادة المسبقة للفاعل والاصرار على اتيان الفعل المذكور، مع علم الفاعل ان هؤلاء أطفال لم يدركوا سن البلوغ بعد.

مما تقدم فقد ثبت ان الأفعال التي تعرض لها الإيزيديون تشكل جريمة إبادة جماعية على وفق أحكام المادة 6 من قانون المحكمة الجنائية الدولية.

*قاض وباحث قانونيn