المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

القانون السيء أسوأ انواع الاستبداد

عدي حاتم

حرية-التعبير-في-العراق

لايمكن الاختلاف على ان  التقاضي والاحتكام إلى القضاء هو أرقى فعل حضاري لاسيما عندما يكون هذا الفعل صادر من سياسي ضد صحفي أو مؤسسة إعلامية لأنه يدل على  سيادة القانون وعلوه وتساوي الجميع أمامه .

كما ان لجوء السياسي إلى القضاء لحل مشكلته أو خصومته مع الصحفيين لايمثل حقا شخصيا له ولاي مواطن فقط بل انه يعطي انطباعا بان هذه الدولة هي دولة  يسود فيها القانون وتحترم فيها الحريات، بدليل ان السياسي فيها لايعدو كونه موظف خدمة عامة وليس سلطانا يمكنه إعتقال أو قتل من يشاء، وان سيادة القانون جردته حتى من القدرة على استغلال نفوذه ومنصبه في تصفية خلافه مع الصحفيين .

لكن هل تنطبق هذه الأمثلة وغيرها على الواقع العراقي ؟؟ ، وهل توجد في هذا البلد بيئة قانونية صالحة للتقاضي، أو مؤسسة قضائية تفهم معنى حرية التعبير ودور الصحافة؟

في الحالة العراقية ومع وجود 6 قوانين وعشرات المواد الموروثة من الحقبة السابقة والتي صممت خصيصا لحماية السلطة واستبدادها وقمع حرية التعبير، يصبح اللجوء إلى القضاء تهديدا وتخويفا للصحفيين لايقل أبدا عن التلويح بالاختطاف أو الإغتيال أو الاعتقال، لاسيما وان المؤسسة القضائية في العراق لاتعدو كونها أحدى أدوات السلطة والاحزاب الدينية القمعية .

والأمر هنا لايتعلق بإستقلالية  المؤسسة القضائية التي مازال العراق يبعد عنها سنوات ضوئية فقط، بل بالبيئة القانونية التي تشمل المؤسسة القضائية والنظام القضائي والقوانين النافذة وطبيعة الترافع فضلا عن الخلفية الثقافية للقاضي وفهمه لحرية التعبير بشكل خاص ولمفهوم الديمقراطية بشكل عام .

والقوانين العراقية النافذة الخاصة بالنشر هي قوانين موروثة من حقبة دكتاتورية لم يشهد لها تأريخ الإنسانية مثيلا ، ابقتها الطبقة السياسية التي وصلت للسلطة بعد عام 2003 لانها لاتختلف مع النظام السابق على نهجه الدكتاتوري بل أختلفت معه على من يمارس هذه الدكتاتورية، لذلك وجدت فيها ضالتها التي تحميها من مساءلة الرأي العام ومنع أمكانية الجمهور من معرفة ماتفعله وما تتخذ من قرارات خلف الابواب المغلقة .

وقبل سنوات التقيت برئيس الوزراء الأسبق أبراهيم الجعفري وفتحت معه موضوع القوانين الموروثة ومواد جرائم النشر وضرورة إيقاف العمل بها تمهيدا لإلغائها أو تعديلها لانها تتنافى مع التحول المفترض نحو الديمقراطية ، وكانت المفاجئة هي ليست أصراره على بقائها ورفضه تغييرها بل قوله أن الشيء الإيجابي بصدام هي منظومة التشريعات التي تحفظ هيبة الدولة وتمنع أي تجاوز عليها، والمقصود بعبارة الدولة  طبعا هو  “المسؤول ” ، فكل من يصل الى السلطة يختصر الدولة وشعبها وجغرافيتها وتأريخها بنفسه وبمصلحته الشخصية أو الحزبية .

الطبقة السياسية بعد عام 2003 وعلى اختلاف مشاربها الايديولوجية، اتفقت جميعها على قمع حرية التعبير لذلك أحتفظت بالتشريعات الموروثة والتي لاتسمح للصحافة ولاحتى للمواطن الا بالتنفس من رئة الحكومة، واي مخالفة يواجه عقوبات قاسية تتدرجة من الحبس الشديد ولاتستثني الإعدام.

التقاضي والترافع يكون فعلا حضاريا يعكس حجم الديمقراطية وسيادة القانون في دولة ما، إذا كانت البيئة القانونية في تلك الدولة سليمة وصالحة للتقاضي من خلال وجود تكافؤ ومساواة حقيقية بين المواطن والمسؤول في خضوعهم للقانون وسيادته على الجميع، فضلا عن ان القوانين النافذة توازن بين حفظ حرية التعبير وحمايتها وبين حماية خصوصية الافراد سواء كانوا شخصيات عامة أم شخصيات عادية .

 وطبعا هذا لاينطبق على الحالة العراقية التي ترث حزمة قوانين لا تنص على جعل الصحفيين ووسائل الإعلام ادوات للترويج للنظام الحاكم فقط ، بل تعد أي خروج عن مبدأ الترويج خيانة عظمى وإساءة للدولة ورموزها وتنص على عقوبات مجحفة تجاوزها الزمن منذ عشرات السنين .

وفي الدول الديمقراطية تقتصر القوانين والاحكام الخاصة بالنشر على اجبار الوسيلة الاعلامية بنشر اعتذار أو غرامة مالية محدودة لايتجاوز حجمها المنطق والمعقول ولاتكون مادة لإثراء المدعي بل غرامة بسيطة تفرض لاثبات الحق ليس إلا.  اما في العراق فإن الغرامة غير محدودة ويمكن للمشتكي ان يطلب مايشاء، وهذا ما حصل عندما طالب رئيس الجمهورية السابق جلال طالباني،  صحيفة محلية لاتتجاوز ميزانتها السنوية 30 الف دولار، بدفع غرامة مالية قدرها مليار دولار لإعادتها نشر تقرير لوسيلة إعلام اجنبية تكشف حجم ثروته وثروة رئيس الإقليم مسعود بارزاني خارج العراق .

لذلك ومع أستمرار العمل بمثل هذه القوانين يصبح لجوء المسؤولين في العراق إلى التقاضي أمرا يوازي في خطورته اللجوء الى الاعتقالات أو الاغتيالات لان الأمر سيان ، وهذا على فرض ان المؤسسة القضائية مستقلة ولا سلطان عليها إلا القانون ، فكيف إذا عِرفنا أن القضاء العراقي خاضع بالكامل لإرداة السلطة التنفيذية والاحزاب النافذة التي أخضعت هذه المؤسسة للمحاصصة الطائفية والعرقية والحزبية مثلها مثل كل مؤسسات الدولة العراقية الأخرى .

ولعل البعض ومنهم نقيب الصحفيين السيد مؤيد اللامي يقول ان العراق  خالي حاليا من معتقلي الرأي ، وهذه العبارة  يتبجح بها السيد اللامي كثيرا منذ 10 سنوات تقريبا ، وعلى الرغم من ان هذا الكلام تدحضه عشرات الحقائق، لكن إذا إردنا تغييب عقولنا وموافقة نقيب الصحفيين ونقابته التي تحولت إلى بوق لكل رئيس وزراء يصل السلطة ،  فاننا نسأله عن  كاتم الصوت وجماعات الموت التي تطارد الصحفيين كل يوم وعن مئات القتلى والصمت الحكومية عنهم .

وايضا نقول للسيد اللامي ان  مئات الدعاوى التي رفعت خلال السنوات الماضية ضد الصحفيين والغرامات غير المنطقية التي فرضت على وسائل الإعلام والتي وصل بعضها الى عشرات الملايين هي كافية لتكميم أفواه الصحفيين وإرهابهم واجبارهم على عدم فتح ملفات الفساد التي يسجل فيها العراق المراتب الأولى عالميا .

لايمكن الحديث عن حق التقاضي في بلد مثل العراق يعتمد قوانين تعسفية ، كما لايمكن وصف هذه الحالة بالصحية او الديمقراطية لان المبدأ العام يقول ان ( القانون السيء أسوأ انواع الاستبداد ) ، وفي العراق تتجاوز الحالة مسألة القانون السيء لتدخل في خانة القوانين التعسفية والمستبدة التي صممت خصيصا لقمع الحريات وتكميم الأفواه وحماية المسؤول من أي إنتقاد أو اعتراض على طغيانه أو فساده .