المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

الإصلاح العراقيّ أمام اختبارات صعبة لكنّها ممكنة

مصطفى الكاظمي – المونيتر

People shout slogans during a demonstration against corruption and poor services in regard to power cuts and water shortages, in Kerbala

بتصويت البرلمان العراقيّ في 11/8/2015 على حزمة الإصلاحات السياسيّة والاقتصادية والإداريّة، الّتي قدّمها رئيسا الحكومة حيدر العبادي والبرلمان سليم الجبوري استجابة لمطالب المتظاهرين، وتضمّنت إلغاء مناصب نواب رئيسي الجمهورية والحكومة، والمخصصات الاستثنائية للرئاسات والهيئات والمؤسسات، وإعادة فتح ملفات الفساد السابقة والحالية، ووضعها تحت إشراف لجنة عليا لمكافحة الفساد، واعتماد عدد من القضاة المختصين للتحقيق فيها ومحاكمة الفاسدين.، يكون العراق قد دخل مرحلة جديدة في التّعاطي مع طلبات الشارع العراقيّ الغاضب، الّذي تعرّض طوال سنوات إلى التّسويف من قبل القوى السياسيّة حول حقوقه الطبيعيّة من الدولة.

وتأتي هذه الإصلاحات الّتي شملت جوانب تنظيميّة مهمّة مثل تقليص الوزارات واختيار رؤساء الهيئات والوكلاء خارج أنظمة المحاصصة وتفعيل القضاء لملاحقة الفاسدين ووضع سقوف لإقرار القوانين، بالتّزامن مع مشهد عراقيّ غير مسبوق يتمثّل بتحوّل التّظاهرات الشعبيّة إلى فعل ملموس في ميدان السياسة، وبدأ صوت المتظاهرين يتردّد في أروقة البرلمان، ويجبر الجميع على التّعامل معه كمتغيّر جديد في المعادلة العراقيّة.

ومع كلّ ذلك، فإنّ مجرّد التّنفيذ الفوريّ لمطالب المتظاهرين الّتي كانت في بداية الأمر خدميّة، وعكستها تظاهرات في اكثر من مرّة في المدن المختلفة، منها على سبيل المثال لا الحصر، التظاهرات في محافظ ذي قار (جنوبي بغداد) في فبراير/شباط 2014 التي طالبت بتحسين الخدمات لاسيما الكهرباء، كما خرج آلاف المتظاهرين في البصرة في 7 آب/ أغسطس/2014 ، مطالبين بالإصلاح ومكافحة الفساد. وحين لم تستجب الحكومة لمطالب تحسين الخدمات، تحوّلت أهداف الاحتجاجات الى مطالب ذات طابع إصلاحيّ شامل.

وفق ذلك، فان التنفيذ الفوري للمطالب الشعبية، لا يعني أنّ تلك الإصلاحات ستجد طريقها بالفعل إلى التّنفيذ السريع والمنتج، في بلد يعاني أزمات مركّبة على كلّ المستويات، ويشهد انقسامات سياسيّة وانهيّارات اقتصاديّة وحرباً طاحنة مستمرّة مع تنظيم “داعش”، الّذي يحتلّ مساحات واسعة من أراضيه.

وفي واقع الحال، إنّ جوهر ما تحقّق في العراق خلال الأيّام الماضية، ليس إقرار حزمة الإصلاحات، بل تحوّل فكرة إجراء إصلاحات شاملة وجادّة، إلى شاغل للقوى السياسيّة المختلفة الّتي باتت مضطرّة أكثر من أيّ وقت سابق إلى قبول تنازلات على مستوى المناصب والامتيازات الماليّة أو السياسيّة.

ولعلها المرة الأولى التي تستمع فيها الحكومة إلى مطالب المتظاهرين، بحزمة إصلاحات عملية، فلم يسبق لرئاسة الحكومة أو الحكومات المحلية منذ 2003، أنْ أعلنت عن خطوات إصلاح جدية كهذه، عدا الوعود، ما أدى الى “يأس العراقيين من تحسن الخدمات”.

إن تطبيق الإصلاحات على ارض الواقع عبر إيجاد الآليات المناسبة وتشريع القوانين، يمكن أن يتلكّأ بسبب التّعقيدات القانونيّة والروتين الإداري، ومن المحتمل أن تُعَطّل الخلافات السياسية بين الأحزاب والكتل، وكذلك المتطلبات الأمنية، تنفيذ الإصلاحات. ولهذا فان خطر تسويف المطالب يظل قائما.

وفي هذه المهمّة شقّ خطير جداً، يتعلّق بتحويل الاستجابات الحكوميّة والبرلمانيّة إلى ردود فعل آنيّة وغير مدروسة بعناية، وخارج المناهج العلميّة الرصينة في بناء الإصلاح والتّنمية.

وإنّ المطلوب في هذه اللّحظة من تاريخ العراق، أن تبادر القوى السياسيّة إلى الطلب من البرلمان تشكيل فرق عمل والاستعانة بخبرات من خارج البرلمان، بل بمراكز دراسات دوليّة، مثل “مشروع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لمكافحة الفساد”، او المعهد الأمريكي لمكافحة الفساد (AACI)

يمكنها تقديم خريطة طريق ناضجة للإصلاح ورؤية مكامن الخلل والعجز في المنظومات الإداريّة والسياسيّة والماليّة والأمنيّة العراقيّة، مع العلم أنّ بعض أهمّ نقاط الضعف في تلك المنظومات ليس خافياً، وهو ميدان دراسة منذ سنوات على كلّ المستويات.

كما أنّ على رئيس الحكومة التوجّه السريع إلى تشكيل فرق عمل نزيهة وجادّة لتفعيل الإصلاحات، والبحث عن أقصر الطرق لبلورة نتائجها على الأرض، وان الإصلاحات التي قرر الخوض فيها، سوف يعجّل من تنفيذها، كسب تأييد المرجعية الدينية له التي أيدته إلى الآن في ما قرّره من إصلاحات، والحصول على موافقة الكتل السياسية، حيث ابدى البعض تحفظا عليها مثل نائبي رئيس الجمهورية إياد علاوي، واسامة النجيفي الذي اعتبر قرارات العبادي “معطّلة للدستور”.

وفي واقع الحال، إنّ حجم المشاكل المركّبة في بنية الدولة العراقيّة والترهّل الهائل الّذي تعانيه مؤسّساتها والاضطراب والتّضارب في قوانين إدارتها وتعليماتها وتغلغل الفساد في منظوماتها المختلفة حتّى الرقابيّة منها، كلّ تلك تحدّيات جسيمة تضع أيّ حكومة أمام مهمّة صعبة للغاية.

وإنّ صعوبة المهمّة لا تكمن فقط في الافتقار إلى الخبرات المطلوبة للمعالجة العلميّة، خصوصاً داخل مؤسّسات الدولة نفسها، بعد أن شهد العقد الماضي حركة هجرة واسعة لمجموعات من الخبرات والكفاءات في كلّ المجالات، بل تكمن أيضاً في قدرة الوسط السياسيّ العراقيّ على تبنّي فلسفة الإصلاح مجتمعاً ومتضامناً.

إنّ مصير حزمة الإصلاح العراقيّ مرتبط اليوم بتوافر أربعة معايير أساسيّة: المعيار الأوّل أن تثبت القوى السياسيّة العراقيّة قدرتها على تبنّي الإصلاح، وألاّ تكون مرغمة على تمرير هذه الحزمة تحت ضغط الشارع. أمّا الثاني فيتعلّق بقدرة الحكومة العراقيّة على الدفع بالكفاءات إلى المواقع القياديّة، بعيداً من أنظمة المحاصصة الحزبيّة والطائفيّة وبما يحقّق ديناميّة مفقودة في عمل الدولة وتكاملاً في منظومات القضاء على الفساد. فيما يذهب المعيار الثالث إلى ضرورة أن يستمرّ الزخم الشعبيّ الدّاعم للإصلاحات، وألاّ يتراخى أو يتبدّد، وأن يتصاعد باعتباره متغيّراً دائماً على الساحة العراقيّة. ويتعلّق الرّابع بمساندة إقليميّة ودوليّة لمسيرة الإصلاح العراقيّة، ممّا يتطلّب تحقيق الدّعمين السياسيّ والإقتصادي الملائمين في هذه المرحلة لمساعدة العراقيّين على تحقيق أهدافهم.

لا يمكن القول إنّ المستقبل القريب يمكن أن ينتج آثاراً ملموسة للإصلاحات الحكوميّة والبرلمانيّة الّتي أقرّت أخيراً، لكنّ لو توافرت النيّات الحقيقيّة وكان العمل بمستوى الإصلاحات وتضافرت الظروف الموضوعيّة مع استمرار حضور إرادة الشارع العراقيّ في الأروقة السياسيّة ومصادر القرار، فإنّ آثاراً كهذه لن تغيب عن المشهد، ويمكن حينها القول إنّ الأبواب بدأت تفتح ليستعيد العراق عافيته.