المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

لنذهب! ساعدنا لنتحسن. شارك في الاستطلاع.

خلف الاحتجاجات السلمية: التحول الثقافي في العراق

 

مداخلة المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي في جلسة إستماع حول العراق أمام لجنة الشؤون الخارجية الإيطالية

روما – يناير 2020

 

في الشوارع والساحات العامة

على مدار أكثر من ثلاثة أشهر ، شهد العراق حركة شعبية قوية وواسعة النطاق ، وهي حركة تتحدى النظام السياسي الذي حكم بعد الغزو الأمريكي عام 2003. إن ما يحدث في الساحات العامة للمدن العراقية الرئيسية هو أكثر من مجرد “تمرد” ضد الفساد و الوعود الفاشلة للنظام السياسي ككل، وهو أكثر من مجرد “تغيير النظام” ، يبدو أن العراق يمر بمرحلة تحول ثقافي وإجتماعي.

بدأت حركة الاحتجاج هذه في الاول من أكتوبر 2019 ، وسرعان ما انتشرت في جميع أنحاء وسط وجنوب العراق ، لتصل إلى 10 من أصل 18 محافظة عراقية ، بما في ذلك محافظات كردستان العراق. إنها حركة يقودها الشباب في المقام الأول ، وتمثل استمراراً للإحتجاجات التي اندلعت في العراق منذ عام 2003. فمنذ أكثر من 15 عاماً ، كان الناس يتحدثون عن قلة فرص العمل وانعدام الخدمات ، رافضين الفساد المستشري في البلاد والنظام السياسي الذي فرض على البلاد في عام 2003. فقد كانت هناك إحتجاجات في عام 2010 و 2011 و 2015 و 2018 … لكن الاحتجاجات الحالية مختلفة نوعاً ما.

على الرغم من الضغوط الخارجية الهائلة ، وعلى الرغم من الجهد المرهق الذي كلف بالفعل العديد من الأرواح البشرية ، يواصل الشباب العراقي التواصل والتنظيم ونشر المعلومات حول أنشطة التظاهرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي. ان البيانات الحكومية تشير إلى سقوط 480 شهيدا منذ بداية التظاهرات، بينما يقدر آخرون أن العدد الإجمالي لا يقل عن  600 شهيد ؛ ويقدر عدد المصابين بأكثر من 20000 جريح. ومع ذلك ، يواجه الطلاب – الذكور والإناث – بشجاعة هذه التضحيات مباشرة، ويثبتون يوماً بعد الاخر انهم ملتزمون بالاحتجاج ويبدو أنهم غير مستعدين للتوقف حتى يتم تلبية مطالبهم.

تتكون هذه الحركة الشبابية الشاملة بشكل أساسي من أشخاص ولدوا في عراق مختلف تماماً عن عراق ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. إنهم لا يعرفون الخوف من الديكتاتورية مثل الأجيال السابقة، علاوة على ذلك ، فقد تم اتهام هذا الجيل بإستمرار بأنه غير كفء وغير فعال ، أو أنه غير قادر على إحداث تغيير حقيقي، ولطالما إنتُقِد لإهتمامه بالهواتف الذكية أكثر إهتمامه بالعدالة السياسية.

لكن في الواقع اثبت هذا الجيل ان هذه الفكرة هي ليست الا فكرة خاطئة. ففي الواقع ، تحرك هذا الجيل بقوة كبيرة معبراً عنها بشعار “نحن قادرون ولسنا خائفون”. الشباب والشابات ، ذوي الايدي الخالية سوى من العلم العراقي والهاتف الذكي ، يرمون أنفسهم في مواجهات ، قفُتل بعضهم ، وصوّر بعضهم لحظة وفاتهم أو وفاة أصدقائهم. إنهم الان في ذلك السن الذي يكونون فيه مستعدين للتضحية بكل ما لديهم من أجل قضية تلهمهم.

في عراق تدعي فيه الأحزاب السياسية أنها تتحدث نيابة عن هذا المكون أو تلك الطائفة ، يرد الشباب بأنهم لا يريدون أن يكونوا من السنة أو الشيعة أو أي شيء آخر. إنهم عراقيون عاديون وبسيطون ، وهذه السياسة الطائفية لا تمثلهم. ولهذا السبب، هم لا يخشون التظاهر أمام القنصليات الإيرانية ، حتى بعد رؤية أصدقائهم وإخوانهم وأخواتهم ومعارفهم يقتلون على أيدي القوات الامنية. فهؤلاء لا يمكن تخويفهم ، أو ردعهم عن تمزيق العلم الإيراني من واجهة أحد المباني ، او من محاولة احتلال القنصلية ، حتى في بعض الحالات حرق هذه القنصليات نفسها. ولنكون واضحين ، لقد قُتل الشباب من أجل ذلك ، في النجف والناصرية.

ومع ذلك ، وفي ظل الأخطار الحقيقية التي يواجهونها ، يكررون للساسة: “أنتم لا تمثلوننا” ، مؤكدين مرة أخرى مراراً وتكراراً ان هويتهم العراقية تعلو على أي طائفية مثيرة للإنقسام المجتمعي.

نصب المتظاهرون السلميون مئات الخيام في الساحات العامة في العراق ، لاسيما في ساحة التحرير في بغداد، فالخيام مختلفة وتحمل معاني مختلفة وتم نصبها من قبل مجموعات مختلفة. فهناك بعض الخيام تم نصبها من قبل الجمعيات والنقابات المهنية ، حيث تتم معالجة قضايا معينة كالقضايا القانونية على سبيل المثال والتي يتم تناولها في خيمة المحاميين. فإليها يأتي الناس طلباً للمساعدة في القضايا المتعلقة بالاعتقالات أو حالات اختفاء المتظاهرين. تتناول الخيام الأخرى قضايا لوجستية مثل الحفاظ على الساحة والشوارع وابقائها  نظيفة، حيث تنطلق من هذه الخيام حملات فعالة لجمع النفايات.

ومن الأمثلة المثيرة للإهتمام ، هي احد الخيم التي خصصت للاهتمام بالقضايا البيئية ، اطلق عليها المنظمين اسم خيمة “لننقذ نهر دجلة” ، والتي قامت بتنظيم فعاليات لتنظيف شاطئ نهر دجلة. من الجدير بالذكر ان ساحة التحرير تطل على نهر دجلة من احد جوانبها، وعلى الجانب الآخر، تقابل “المنطقة الخضراء” حيث تقع قصور السلطة. حتى من حافة ساحة التحرير ، الأقرب إلى ضفة النهر ، كان من المستحيل النزول إلى النهر لسنوات بسبب الأوساخ وانعدام الأمن وغيرها من التقييدات. الا ان المتظاهرين السلميين نجحوا في تغيير هذا الواقع في غضون أشهر ، حيث قاموا بتنظيف “شاطئ التحرير” وافتتاحه ، حيث أصبحت لعبة كرة الطائرة إلى جانب العديد من الأنشطة الرياضية والترفيهية الأخرى تنظم هناك.

هناك خيام مهمة أخرى: مثل تلك التي تقدم المساعدة الطبية ، بمساعدة أساسية من سائقي عربة التوك توك ، وهي مركبات ذات عجلات ثلاثية موجودة في جميع أنحاء بغداد. حيث تطوع سائقي هذه العربات بوقتهم منذ بدء التظاهرات ، ليتخذوا دور سيارات الإسعاف البدائية ، حتى اصبح التوك توك رمزاً عظيماً من رموز هذه الانتفاضة.

بعض الخيام الاخرى تم نصبها من قبل الطلاب نيابة عن مدارسهم وجامعاتهم ، وفي مثل هذه الخيام تجري ناقشات حول الاحتجاجات والاضرابات في المدارس.

كما ان هنالك العشرات من الخيام التي تقدم الطعام مجاناً ، وذلك بفضل التبرعات السخية التي يقدمها سكان بغداد والذين استطاعوا من خلالها إطعام الآلاف من الناس يومياً. فنلاحظ مثال على ذلك مشاركة الطاهي الشهير – أبو علوش – وتحضيره الطعام للمتظاهرين داخل خيمته والتي يبث أنشطتها اليومية على الفيسبوك.

تلعب الخيام الأخرى دوراً مهماً في تنسيق النقاشات. على سبيل المثال ، تتيح خيمة  “عراق آخر ممكن” التي ينظمها المنتدى الاجتماعي العراقي ، للناس فرصة للمشاركة في المناقشات السياسية الحرجة ، ومعالجة القضايا الرئيسية مثل: الانتخابات المقبلة ، والصفات والمؤهلات للمرشحين لمنصب رئيس الوزراء المقبل. و تطرح مواضيع اخرى للنقاش من خيام مختلفة في الساحة.

العملية السياسية والتمرد

في الساحات العامة في جميع أنحاء العراق ، يطالب المحتجون بحكومة مستقلة جديدة يمكنها التحول خلال فترة انتقالية من هذا النظام إلى نظام سياسي آخر: بما في ذلك اصدار قانون انتخابي جديد يضمن إمكانية ترشيح اشخاص مستقلين عن الأحزاب القائمة، بالاضافة للجنة انتخابية مستقلة حقيقية، لا تستند على أسس طائفية كما هي الحالية. خلال الأيام القليلة الماضية وتحت ضغط من المتظاهرين ، أصدرت حكومة عبد المهدي ، رغم استقالته ، قانوناً انتخابياً جديداً وشكلت لجنة انتخابية جديدة تتألف من تسعة قضاة من جميع أنحاء العراق.

في الوقت الحالي ، يبدو من غير المحتمل أن تنشأ قوة سياسية جديدة في ظل هذه التظاهرات. فهنالك الكثير من الخوف يحيط بهذه اللحظة لأنه في عام 2018 ، كان يُعتقد أن تحالف “سائرون” – الذي شكله الصدريون اتباع مقتدى الصدر والشيوعيون – سيقوم بتمثيل الموجة السابقة من الاحتجاجات الشعبية. ولكن في عام واحد فقط ، فشل فشلاً ذريعاً. فعلى الرغم من كونه أكبر كتلة انتخابية ، الا ان تحالف سائرون قرر التحالف مع كتلة من الميليشيات الشيعية لتشكيل الحكومة ، واتفقوا معاً على تنصيب عادل عبد المهدي رئيساً للوزراء، الذي تم منحه سنة لإحداث التغيير ، لكن ذلك لم يحدث ابداً. وبدلاً من ذلك ، قام عبد المهدي بحماية القادة السياسيين والمسؤولين الفاسدين من جميع الأحزاب. هذا التاريخ الحديث يثقل كاهل المتظاهرين الحاليين ، ويشرح سبب وجود هذا التحفظ حول حصر الحركة العظيمة هذه في صيغة سياسية وتشريعية رسمية.

 

الصراع مع ايران

ان الهجوم الأمريكي الذي أمر به مباشرة الرئيس دونالد ترامب ، والذي قتل خلاله الجنرال الإيراني قاسم سليماني ، من المرجح أن يغير بشكل جذري طبيعة العلاقات بين البلدان داخل المنطقة الأكبر. من المؤكد أن العواقب ستكون محسوسة في العراق ، وهو البلد الذي لعبت فيه إيران دوراً حاسماً ومارس فيه الجنرال سليماني سيطرته المباشرة.

من خلال متابعة رد إيران على قصف الولايات المتحدة لقواعد “عين الأسد” العسكرية في الأنبار و “الحرير” بالقرب من أربيل ، يبدو أن هناك نوعا من الاتفاق بين الولايات المتحدة الامريكية وإيران على عدم شن الحرب بشكل معلن. ومع ذلك ، فإن الصراع بين الاثنين يعتبر تهديد للسلام في المنطقة: فإستراتيجية ترامب المتمثلة “بالضغط لأقصى حد” والعقوبات الاقتصادية لا تترك للنظام في إيران مجالاً كبيراً للمناورة ، وبالتالي قد تتسبب في الانهيار والوصول لمرحلة العنف. من جانبه ، قرر النظام الإيراني الرد على العدوان الأمريكي في العراق من خلال ميليشياته الناشطة بالفعل في المنطقة.

كل هذا يهدد بظلاله على المظاهرات الجماهيرية السلمية والواسعة التي حشدت الشعب العراقي في جميع أنحاء البلاد واستمرت الآن لأكثر من ثلاثة أشهر. هذه التعبئة تدعو إلى التشكيك في النظام السياسي الذي نشأ في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003. ففي السنوات الأخيرة ، تحدث العالم بشكل حصري تقريباً عن دور إيران في المنطقة وعلى وجه الخصوص عن دور “الجنرال الكبير” السليماني الذي تولى القيادة في العراق ولعب دوراً كبيراً في تقرير القضايا الخاصة بالسياسة العراقية.

بالرغم من كل ما سبق ، الا ان الشباب العراقي الذي يقود حراك الاحتجاجات يريد ان يقول بشكل واضح ان العراق أمة مستقلة ذات تاريخ وهوية وسيادة، “نحن لسنا شيعيين يمكن أن تحكمهم إيران ؛ ولا نحن دولة يجب أن تمثل مصالح ترامب وأصدقائه في الشرق الأوسط”.

 

لماذا هذه الثورة مهمة وغير اعتيادية؟

هذه الحركة ، على الرغم من كونها امتداد اساسي للحركات الماضية ذات الأهداف المتشابهة ، الا انها تمثل نوعاً مختلفاً من الفترات والفرص الثقافية.

أولاً ، كشف المشاركين في الاحتجاجات عن وجود قدرة رائعة لديهم في التنظيم والإدارة الذاتية و الحفاظ على الاحتجاجات المنظمة والفعالة على مدار فترة زمنية طويلة.

ثانياً ، أظهر المحتجون قدرة استثنائية على الحفاظ على الطبيعة اللاعنفية لحركتهم ، حتى في مواجهة العديد من الاستفزازات ، أو سفك الدماء ، وأثناء حدادهم على شهدائهم من عوائلهم واحبائهم. هؤلاء المتظاهرون الشباب لديهم الشجاعة للوقوف في وجه الجهات الفاعلة الخطيرة ، بما في ذلك الميليشيات المسلحة ، والعشائر القوية التي واجهت المتظاهرين السلميين بالأسلحة ، والقناصة مجهولي الهوية الذين يطلقون النار من فوق أسطح المباني ، كما انهم يسخرون من أولئك الذين يسمونهم إرهابيين خطرين، مثل داعش.

ثالثًا ، لعبت النساء دوراً رائداً في الحركة، وهذا تغيير ثقافي هائل ، وتحول تاريخي.

هذه العناصر الثلاثة ضخمة ومهمة للشعب العراقي و بالنسبة للمشرق بأكمله ؛ فهؤلاء سيغيرون تاريخ العراق بعمق ، كما غيرت الثورة الفرنسية أوروبا.

 

ماذا تطلب ساحة التحرير من إيطاليا وأوروبا؟

  • يمكن لإيطاليا وأوروبا الضغط على الرئيس العراقي والحكومة الحالية لضمان حماية حقوق المتظاهرين:

يجب على الحكومة العراقية احترام التزاماتها الدستورية والدولية لحماية حرية التظاهر وحرية التعبير.

وعلى وجه الخصوص ، يجب عليها ان:

  1. تصدر اوامر للشرطة وقوات الأمن بوقف أي استخدام مفرط للقوة ، بدءاً بالقوة المميتة ضد المتظاهرين.
  2. ضمان قدرة جميع المدافعين عن حقوق الإنسان ووسائل الإعلام من أداء عملهم دون قيود ، بما في ذلك المضايقات القضائية
  3. الإحترام التام لحرية الصحافة والتأكد من عدم وقوع المزيد من الهجمات على الصحفيين والمكاتب الإعلامية.
  4. وضع حد للإعتقال والإحتجاز التعسفي للمتظاهرين السلميين والمدافعين عن حقوق الإنسان ، الذين تعرض بعضهم للضرب.
  5. الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجين السلميين الذين تم إحتجازهم ، وتقديم العلاج الطبي لجميع من يحتاجه.
  6. إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وشاملة عن جميع حالات إستخدام القوة المفرطة والمميتة من قبل كل من الجهات الحكومية وغير الحكومية.
  7. نشر نتائج تلك التحقيقات علناً وتقديم المسؤولين عنها إلى العدالة وفقاً لأعلى معايير القانون الدولي.

 

  • التدخل الإيطالي والأوروبي في العراق

حتى يومنا هذا ، ما زال العراقيون يميزون بين الدور التخريبي والمدمّر الذي تلعبه كل من الولايات المتحدة وإيران في العراق ، على عكس الدور المقبول أكثر بكثير الذي يمكن للأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي القيام به ؛ لهذا السبب يرفضون بشدة أي تدخل من الولايات المتحدة وإيران في الشؤون العراقية.

 

هذه النقطة حاسمة لأنها تسمح لبعض الجهات الفاعلة ، بما في ذلك إيطاليا ، بلعب دور إيجابي في العراق. التدخلات المحتملة قد تشمل:

  1. يمكن لإيطاليا وأوروبا مساعدة اللجنة الانتخابية (الرسمية) والمجتمع المدني في مراقبة الانتخابات المقبلة في العراق.
  2. يمكن لإيطاليا ، إلى جانب البلدان الأخرى التي تدرب قوات الشرطة ، توفير التدريبات للشرطة العراقية واعطاء الأولوية قبل كل شيء لإحترام حقوق الإنسان واستخدام التدابير اللاعنفية لإحتواء الحشود. يجب ألا يكون احترام حقوق الإنسان شيء ثانوي في تدريب الشرطة كما هو الآن!
  3. يمكن لإيطاليا أن تلعب دوراً هاماً في حماية التراث الثقافي في الناصرية ومدينة أور الاثرية على وجه الخصوص، وفي جميع أنحاء العراق بشكل عام، من خلال توفير التدريبات لافراد الشرطة المخصصين لحماية المواقع الأثرية وغيرها من المشاريع الثقافية ، ولأفراد المجتمع المدني.
  4. يمكن لإيطاليا وأوروبا لعب دور أكبر في دعم وتدريب وتمكين المجتمع المدني.

 

ج) المستوى الجيوسياسي

 

نعلم أن هناك الآن نقاشاً مستمراً يدور حول إنشاء بعثة جديدة لحلف الناتو لتحل محل التحالف الحالي المناهض لداعش. يبدو أن هذا خطأ لأنه يخلط بين الدور الأوروبي ودور الولايات المتحدة ، ويقصر السابق على علاقة عسكرية بحتة. كلما زاد عدد الجنود في جانب واحد ، زاد عدد الجنود حتماً من الجانب الآخر. من المهم جدا اعادة التأكيد على أن المتظاهرين السلميين في الساحات العامة في العراق يطالبون بإنهاء تقسيم السلطة على أسس المحاصصة الطائفية ، أي أنهم يرفضون أساس الحكومة الذي فرضه منذ البداية الاحتلال الأمريكي والي دعمت ايران استمراره بعد ذلك.

على عكس هذه العلاقات الفاسدة والمدمرة التي تميل فقط نحو مزيد من العنف وإراقة الدماء ، يمكن لإيطاليا أن تقود أوروبا في تقديم الدعم للسلام والاستقلال في العراق ، مما يساعد بنشاط في إبعادها عن الحرب والصراع الذي يميز الآن تعاملاتها مع الولايات المتحدة و إيران.

قد تتحول المهمة العسكرية الحالية بشكل جذري إلى مهمة مدنية تدعم بشكل مباشر جهود المجتمع العراقي لرفض نموذج الحرب والصراع ، بحيث يمكنها بناء طابعها الخاص في السلام والعدالة الاجتماعية.

 

 

معلومات إضافية – المطعم التركي: مكان فريد في بغداد

المطعم التركي عبارة عن مبنى يشغله المحتجون الآن – ضع في ذهنك أن احتلال المباني العامة أو الخاصة ليس حركة واسعة الانتشار في الشرق الأوسط والعراق. المبنى نفسه يتكون من 14 طابق تم بناؤه في الثمانينيات أثناء قترة نظام صدام الدكتاتوري. كان في البداية مركزا  للتسوق فيه مرآب كبير للسيارات والعديد من المتاجر. اما الطابق العلوي – المطل على بانوراما رائعة لبغداد – فقد خصص للمطعم تركي. خلال عهد صدام ، كان المبنى يستخدم أيضا للاتصالات ، ولهذا قصفته الولايات المتحدة في عام 1991 ، حسب تبريرها على الأقل.

أعيد بناؤه في عام 2001 ثم تم افتتاحه كمقر لوزارة الرياضة والشباب الحكومية ، تم قصفه مرة أخرى بواسطة الدبابات الأمريكية خلال غزو عام 2003.

لبعض الوقت ، وفي بداية المظاهرات ، استخدمت الميليشيات قناصة خبراء لإطلاق النار على المتظاهرين ، مما أسفر عن مقتل عدة أشخاص. تم وضع هؤلاء القناصة في أطول المباني ، أحدها كان المطعم التركي ، الذي يقع بجوار جسر الجمهورية حيث يمكن السيطرة على ساحة التحرير. بالنظر إلى هذا الموقع الاستراتيجي ، قرر المتظاهرون الشباب احتلال المبنى ، والحرص على التحقق أولاً من أنه لم يعد يستخدم من قبل القناصة والشرطة كقاعدة للعمل ضدهم. تدريجيا ، أصبح رمزا قويا للمظاهرات: من هناك يمكن للمتظاهرين تعليق و عرض شعاراتهم ليراها جميع من في ساحة التحرير ، والذين في الجانب الآخر من الجسر ، وكذلك من في المنطقة الخضراء والمباني الحكومية الأخرى. أصبح المبنى منصة ، تبث شعارات وبيانات الحراك و اصبح مكانا للمتظاهرين للإعلان عن أهدافهم السياسية. كما ذكر أعلاه ، تم قصف المبنى مرة أخرى خلال احتلال عام 2003 ومنذ ذلك الحين بقي مهجوراً ، حيث اصبح رمز لفشل الحكومات اللاحقة التي لم تكن قادرة على تنفيذ إعادة الإعمار التي توقعها العراقيون.

تشكل هذه الخلفية التاريخية لـ “المطعم التركي” جزءاً من اسباب احتلاله من قبل العديد من الشباب العراقيين ، كما تساعد أيضا على توضيح سبب تحوله إلى رمز ومكان مهم للمقاومة. كما أعاد المتظاهرون الشباب تسميته واطلقوا عليه اسم جبل أحد ، دلالة على موقع معركة أحد التي قامت بين المسلمين في زمن النبي محمد وقبائل أخرى في المنطقة. قرر الشباب الذين قادوا هذه الحركة واستمروا في إدامتها البقاء في المبنى – وحتى الآن يديرونه بشكل جميل. لقد قاموا بتنظيفه وتأهيله بالكهرباء وإعادة الإنترنت فيه. لقد قاموا ايضا بإعادة تشغيل المصعد ونظموا عمليات حراسة دورية لضمان عدم هجر المبنى مطلقاً. لقد نجحوا في درء تهديدات القوات الامنية التي تعبر الجسر وتجنب التسلل المحتمل من الميليشيات والفصائل الأخرى.

في الواقع ، فإن بعض هؤلاء الأشخاص الذين يعتزمون تعطيل أهداف المتظاهرين السلميين كانوا قد أرسلوا أشخاصاً غير مسلحين لمحاولة السيطرة على المبنى وتخليصه من أولئك الذين لا يحبونهم – كما حدث في منطقة أخرى في بغداد ، في منطقة السنك. حيث حصلت هناك مجزرة عندما قاوم المتظاهرون الأشخاص العزل الذين كانوا في الواقع مرتبطين بالميليشيات، وعندما وجد هؤلاء الأشخاص أنفسهم محاطين بالمتظاهرين ، قاموا باستدعاء ميليشياتهم المسلحة ليطلقوا النار على المتظاهرين ، مما أدى إلى مقتل العديد منهم.

ومن أجل منع تكرار تلك الحوادث مرة أخرى ، اصبحت تجري عمليات تفتيش تحدد بدقة من يمكنه دخول المبنى. كما يجب ملاحظة الإستراتيجية التي عملت على تغذيتها بعض الجهات خاصة البارزة بين الأحزاب الإسلامية ، والتي عمدت على اتهام المحتجين بالتدخين وشرب الكحول وإحضار الفتيات إلى المبنى. هذه محاولة متعمدة لتضليل وتشويه صورة المظاهرات، ومحاولات منسقة لتفويض المتظاهرين السلميين أمام  الثقافة والتقاليد المجتمعية.

على نفس القدر من الأهمية والضرر بنفس القدر ، فإن هذا التكتيك الخطير يعمل أيضا على تهديد الشابات اللاتي يتظاهرن. الا ان الشباب داخل المبنى ، نظموا أنفسهم للتأكد من أن جميع الشابات اللواتي يرغبن في الصعود إلى الطابق الرابع عشر لا يتعرضن للتهديد. وفي ظل وجود الآلاف من الشباب ، تبلغ الشابات عن شعورهن بالأمان الشديد. لا توجد حالات واضحة للتحرش الجنسي ، والتي كانت منتشرة في كثير من الأحيان في حالات مماثلة تتعلق بمسائل حرية التعبير للنساء. فمنذ بداية المظاهرات ، ذكر الناس أن بغداد لم تكن آمنة على الإطلاق للشابات. في الواقع ، هناك بعضهن قمن بالمبيت في ساحة التحرير ، وصعدن إلى الطابق الرابع عشر لالتقاط الصور والسيلفي. ويمثل ذلك رسالة مهمة تنبثق الآن من ميدان التحرير. ومع ذلك ، في الوقت الحالي ، لا يبدو أن هنالك مجموعات نسوية غير مختلطة ،  عدا عن تلك المتكونة من طالبات المدارس الخاصة بالفتيات (والتي هي غير مختلطة اي يفصل فيها الاناث عن الذكور).