المبادرة الدولية للتضامن مع المجتمع المدني العراقي

The Iraqi Civil Society Solidarity Initiative (ICSSI) is dedicated to bringing together Iraqi and international civil societies through concrete actions to build together another Iraq, with peace and Human Rights for all.

إشارة وزير الموارد المائية العراقي لسد اليسو خلال لقاءه مع نظيره التركي، إيجابية أم سلبية؟

اسماعيل داود*

آذار – ٢٠١٧

تعتبر التصريحات التي تصدر عن مسؤولين حكوميين خصوصاً الوزراء منهم، دليلا يُعتدّ به عن مواقف الدول حول القضايا التي فيها خلاف. لذلك فإن الدول بشكل عام تكون حذرة جداً بأن لا يرد أي تصريح قد يُحتسب ضد حقوقها أو قد يضر بمصالحها بأي شكلٍ كان. مع ذلك فان المختصين في القانون الدولي والعلوم السياسية يمكن أن يوردوا قائمة طويلة من الامثلة عن تصريحات لممثلين حكوميين وردت كأدلة ضد حقوق دولهم في محافل دولية مختلفة.

فهل يا ترى ذكر وزير الموارد المائية د.حسن الجنابي، لسد اليسو ، أثناء لقاءهِ مع وزير الغابات والمياه التركي، أثناء زيارته لأنقرة هذا الشهر، أمر إيجابي أم سلبي؟

 

السيد الجنابي نشر على صفحته على موقع التواصل الإجتماعي “الفيسبوك” خبر اللقاء وكأنه إنجاز إيجابي. كذلك نشر تقرير عن اللقاء أعدته قناة العراقية الحكومية. في اللقاء يشير الوزير العراقي إلى سد اليسو، ويقول تحديداً أنه تلقى وعوداً من الجانب التركي بأنه لن يكون هنالك “ضرر كبير” على العراق عندما تشرع الحكومة التركية “بملئ سد اليسو”. ووصف الجنابي بنفس اللقاء هذا الوعد بأنه مسألة مفرحة!

الإشارة للسد في هذا التصريح وللأسف تعد إقراراً رسمياً من العراق بحق تركيا بإكمال بناء سد اليسو، حتى وإن تم ذلك بدون إستشارة العراق وبدون أي قياس أثر لهذا السد على المياه والبيئة. وهو أمر يخالف العرف الدولي.

العراق وبدلاً من الطلب بوقف فوري لبناء السد لحين حصول مفاوضات تفصيلية حول هذا السد وأثره الخطير على العراق وأمنه المائي، ووفقاً لما يقره العرف الدولي والقانون الدولي. بدلاً من ذلك سلَّم العراق وعلى لسان وزيره بأن سد اليسو قد تم بناءه، حتى وإن لم يكتمل الى الآن بسبب مشاكل كثيرة تواجهه وجدل حول أثره الخطير[1]، وحتى وإن كان هنالك خلاف وعدم قبول بالسد حتى من المجتمعات المحلية في تركيا[2].

تعدى الأمر من شرعية وجود السد وبناءه مع عدم التشاور مع العراق، الى مناقشة حول إملاء السد! أما الجانب التركي فلم يعد سوى بأنه مستعد لمناقشة أن لا تكون “الأضرار كبيرة” هذا طبعا بعد ان تقع الفأس بالرأس، ومع الإقرار بوجود أضرار، فكيف فهم وفدنا العراقي هذا كإنجاز وكيف يفرح به، بصراحة لا أعلم.

موقف الجنابي ليس سوى تاكيداً لضعف حكومة العراق، وإقراراً للسياسة التركية التي تتلخص بأن لتركيا بناء ما تشاء من سدود وليس من حق العراق أن يعترض. الأمر المحزن بأن هذا الموقف عقد الأمر أمامنا نحن المطالبين بوقف بناء السد والمباشرة بالحوار حوله. فحملة إنقاذ نهر دجلة والاهوار العراقية – الدولية تطالب ومنذ عام ٢٠١٢ بوقف بناء سد اليسو، وفقاً للقانون الدولي الذي يمنع أي دولة منبع أن تبني أي منشأة على الأنهار المشتركة بدون التفاوض مع دول المصب وخصوصاً إن كان لهذه المنشأة أثر سلبي واضح على بلد المصب. يبدو موقف الحملة قوياً جداً، تخيلوا لو أن الحكومة العراقية تحركت منذ يومها بموقف صلب للدفاع عن أمن العراق المائي!

تخيلوا لو أن السيد الجنابي ووفده طالب بصلابة بوقف بناء السد لحين بدء مفاوضات عراقية تركية حول أثره ، أو إن لم يقبل الجانب التركي بالمفاوضات فإن العراق مستعد للجوء للتحكيم الدولي لحماية حقوقه. وبأنه سيستخدم حقه في كل المحافل الدولية، و يستعين بالبلدان العربية والإتحاد الاوربي والولايات المتحدة الامريكية وغيرها من البلدان الصديقة في تعزيز موقفه هذا.

للأسف ليس العراق كمصر التي تناقش أمنها المائي بموقف صلب مع دول منبع نهر النيل، فالعراق طالما أهمل أمنه المائي، ويندر الإشارة من قبل الحكومة العراقية لسد اليسو أو أي سد آخر يبنى على الأنهار المشتركة مع دول الجوار. و يسعى مسؤولي الحكومة العراقية للتغطيه عن هذا العجز بعدة أعذار[3]. مرة بحجة أن العراق ليس له سند قانوني يحمي حقوقه، وهو أمر غير صحيح.

فبالرغم من عدم وجود معاهدة محددة لتقاسم المياه بين العراق وتركيا، فالعراق يمكن له أن يستخدم عدد مهم من الأدوات القانوية ومنها العرف الدولي على سبيل المثال لا الحصر. وقامت حملة إنقاذ نهر دجلة بالتعاقد وبأمكانياتها البسيطة مع خبراء دوليين ومركز متخصص في لندن لدراسة السبل القانونية المتوفرة للعراق لمحاججة تركيا حول سد اليسو بشكل مفصل. وأصدرت الحملة دراسة خاصة بهذا الموضوع نشرت على موقعها الرسمي[4].

 

إلتقيت السيد الجنابي مرة واحدة في جنيف في شهر ايلول من عام ٢٠١٥ ووقتها كان رئيساً لوفد العراق وسلمته بيان الحملة وتقريرها وكان عنوانه “خطر سد اليسو و تقصير الحكومة العراقية في الدفاع عن حق العراقيين في المياه”[5] وكان رد السيد الجنابي “أعرف حملتكم الجيدة و إعتبرني عضواً فيها”!، وكان ردي ما يهمني هنا المواقف التي يمكن أن تتخذوها في مساندة الحملة ومطالبها، فأنتم ممثلي الحكومة وليس للحملة سوى حثكم على التحرك بهذا الإتجاه!

ومما يزيد “الطين بلة” أن العراق يغمض العين في الحقيقية ليس عن سد اليسو وحده، بل عن مبدأ ضرورة إستشارة العراق قبل بناء أي سد. وهو أمر سيمتد لكل السدود التي تبنيها تركيا أو إيران الآن وفي المستقبل. فمثلاً سد داريان الذي تقيمه إيران على نهر ديالى يغيب تماما عن أي حوار للمسؤولين العراقيين، بالرغم من العلاقة “المتميزة” بين العراق وإيران[6].

فليس سد اليسو سوى قمة جبل الجليد، لكنه سيظل علامة مهمة جداً في تاريخ الأمن المائي العراقي. فهو أول وأكبر سد تركي على نهر دجلة داخل حدود تركيا، وهو و إن كان مشروع كهرومائي، فهو عملياً أول سد يحكم التصرف على مياه نهر دجلة الذي يعتمد عليه العراق بشكل كبير خصوصاً بعد أن قامت تركيا بإستنفاد نهر الفرات بسلسلة سدود كبيرة. وسد اليسو في حقيقة الامر منظومة ستتبعه سدود أخرى صغيرة مثل سد جزرة وغيرها. سد اليسو كان من المفترض أن يكتمل عام ٢٠١٥ لكن بنائه تعرض لمشاكل عديدة وتوقف تماماً لأكثر من مرة بسبب أضرارة الواسعة في تركيا. فعدد من ممولي السد إنسحبو منه وتوقف العمل لأكثر من مرةـ مع ذلك ماتزال الحكومة التركية مصرة على إكمال السد في ظل سكوت عراقي (ما عدا محاولة يتيمة من وزير الخارجية السابق، هوشيار زيباري لحث الإتحاد الاوربي للتدخل والضغط على تركيا للتشاور مع العراق) محاولة لم تتم متابعتها بجدية من وزارة الخارجية التي يبدو أنها كانت غائبة تماماً عن زيارة الجنابي.

عموماً هذا الصمت الطويل كسره السيد الجنابي بأن حسم الأمر لصالح تركيا!

اليوم ليس أمامنا سوى أمرين، أما أن نندب حظنا العاثر وننتظر جفاف أنهارنا بشكل تام، أو أن نواصل الدفاع عنها بدون تهاون وهو أمر ما يزال ممكناً.

فالحملة يجب أن لا تتوقف أو تحبط من هذه الحادثة بالرغم من خطورتها، عليها أن تسعى لخلق وعي عام أكبر وأن تستعين بالجمهور فهو الوحيد القادر على إفاقة حكومة العراق وسياسيه من هذه الغيبوبة الطويلة.

——————

*أحد مؤسسي حملة إنقاذ نهر دجلة والاهوار العراقية – الدولية، حاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية وحقوق الإنسان من جامعة سكوالا سانتانا الإيطالية.

[1] للإطلاع على آخر تطورات بناء السد والمشاكل التي تواجههة : https://ar.iraqicivilsociety.org/?p=3749

[2] الإشارة الى قضية مدينة “حسن كيف” الأثرية والتي يرفض سكانها المحليين وعدد من المهمتين بتاريخها العريق، بناء سد اليسو لأنه سيتسبب بدمار هذه المدينة وكل موروثها.

[3] أصدرت حملة إنقاذ نهر دجلة بيان مفصل عن الأعذار التي تساق للتقليل من خطر سد اليسو ، يمكن الإطلاع عليها من هنا: https://ar.iraqicivilsociety.org/?p=2772

[4] يمكن الإطلاع على الدراسة “سد اليسو و الإعتبارات القانونية في العراق” وتحميلها من هنا: https://ar.iraqicivilsociety.org/?p=1264

[5] للإطلاع على البيان الصحفي وللحصول على نسخة من التقرير: https://ar.iraqicivilsociety.org/?p=2482

[6] أصدرت الحملة تقريراً عن سد داريان وأثره الخطير، للإطلاع: https://ar.iraqicivilsociety.org/?p=3534